All Story From Blog

{ إكـــلـــيــــنـــــا } قصة قصيرة : أحداث شيقة جدا بقلمي

إيكلينا، جزيرة تطفو على سطح المحيط الأطلسي، و كأنها واحدة من بواخر طارق بن زياد، هي صغيرة من حيث المساحة، لدرجة أن اضطر المسؤولون إلى إصدار قانون يقضي في عمقه تقليض عدد الولادات إلى مولود واحد لكل أسرة، فقد ضاقت الجزيرة بسكانها، و لم تعد قادرة على تحمل عدد أكبر.
مما يميز هاته الجزيرة هو أن جميع سكانها متعلمون، ونسبة الأمية فيها منعدمة، كما أن الدخل اليومي لفرد واحد في هاته الجزيرة، يفوق الدخل الشهري لخمس أفراد من سويسرا ثلاث مرات، إكلينا، جزيرة متكاملة، تجمع بين سحر الطبيعة، و جود الحياة، و وفرة السعادة، هي جزيرة غاب نظيرها في العالم.
إنها إكلينا، حيث أنظف الشوراع، و أرقى المباني، و أكرم الناس، و أوسع الحدائق.
جزيرة حيث لا مجال للحديث عن المشاكل الغذائية و الاجتماعية و الأمنية و السياسية و لاحتى العاطفية.

إكلينا انعزلت عن العالم منذ قرون، و في الوقت الحالي، لا أحد من سكان العالم يعلمون بوجودها، اسلوب الحياة عليها لا يختلف كثيرا عن الأسلوب العادي لسكان العالم، فالرجال يتجهون نحو أماكن عملهم كل يوم و كذا بعض النساء، بينما الاطفال فهم يقصدون مدارسهم ، وفي آخر الأسبوع يسيحون نحو الشواطئ الذهبية، كانت من عادة سكان الجزيرة، أنهم يقرؤون الجرائد يوميا، باعتبارها مصدر الأخبار الوحيد،و بلغة وحيدة خلصة بهم، ورثوها عن أجدادهم المجهول أصلهم، وفي ظل غياب التلفاز و الراديو و غيرها.

بل هي جريدة واحدة حملت اسم * بريزاكلين * تنشر أعدادها كل يوم، يتعرف السكان من خلالها على أخبار بعضهم البعض، و عن حياة أجدادهم القدامى في أعداد خاصة، يطلعون على الأخبار المستقبلية أيضا، من خلال ركن خاص يقدمه إحدى المنجمين، مدير هاته الجريدة هو حاكم الجزيرة نفسه.

و ذات يوم فوجئ السكان بجريدة جديدة لا تحمل اسما، مكونة من أربع صفحات، تحمل أخبارا لم يعهدوها من قبل، علم جميع السكان بالأمر، و ظنوا أن بادرة تاريخية جديدة أقدم عليها الحكام، تتمثل في نظام تعدد الجرائد، إلا أنهم صدموا حين علموا أن الحاكم ذاته لا يعرف مصدر الجريدة.

استدعى هيكا حاكم الجزيرة جميع وزرائه إلى مقره، للبحث في الأمر، و أعلنها جلسة مغلقة.

- الحاكم: يؤسفني أن أخبركم أن إكلينا في خطر..إن أعينا دخيلة تراقبها، لا أدري من يكونون، و لا ما يريدون أيضا! و لكن مهما كان الأمر فإننا ملزمون بحمايتها.

- وزير الداخلية: سيدي هيكا، إننا نعي تمام الوعي مسؤوليتنا، أعدك ننا لن نتاون من ردع أي عدو يهدد الجزيرة.

- هيكا: أنت يا ناشين، أ لا ترى أنه من الغريب أن تصدر جريدة من غير صحيفتنا و توزع في كل أرجاء إكلينا و بلغتنا الخاصة من دون أن نعرف بذلك ؟

- ناشين: سيدي، إن الأمر يتعلق بمواطن ما خذل وطنه، و تجاوز القانون، ليصدر هاته الجريدة من أجل زرع الخوف في قلوب سكان إكلينا الحبيبة.

- وزير الداخلية: إننا يا سيدي قمنا بتحر معمق جدا في الأمر، و لم نشك في اي مواطن من إكلينا.

- هيكا: أهكذا الأمور معقدة إلى هذه الدرجة ؟

- وزير الداخلية: اطمئن يا سيدي الحاكم، أعدك أننا سنقبض على هذا المجرم في أقرب وقت.

- ناشين: هل قرأت سيدي كل الأخبار التي جاءت في تلك الجريدة؟

هيكا و هو يتحرك باستمرار في القاعة، ينتابه شعور بالقلق و الارتباك، ينظر إلى الخارج ثم يغمض عينيه.

- ناشين: سيدي...!

- هيكا: ماذا تريد ؟

- ناشين: سألتك ما إذا كنت قد قرأت المقالات المنشورة في تلك الجريدة؟

- هيكا: بالطبع يا وزير الإعلام.

ناشين: و هل صدقت ما كتب في آخر الصفحة عن أجدادنا ؟

- هيكا: ليس من طباعنا في هذه الجزيرة تكذيب الآخرين، لكن أرى هاته المرة أن الأمور بدأت تتغير مع هؤلاء.

- ناشين: هؤلاء؟ من تقصد؟

- هيكا: الذين يكتبون في الجريدة الجديدة.

- ناشين: و ماذا لو كان شخصا واحدا فقط؟ و الأكثر من ذلك، لماذا تتحدث عن ذلك و كأن الأمر سيستمر ؟

- هيكا: أرى ذلك .. إننا أمام تحد كبير!

- وزير الداخلية: إنك تعطي للأمور أكثر من قيمتها يا سيدي.

- وزير التعليم: سيدي، أعتقد أننا سنكون مجبرين على توجيه ضربة استباقية لهذا العدو الخفي قبل أن يفتك بنا.

- هيكا: حسبك يا ناطلسه، فلابد من التصرف الحكيم لبلوغ الغاية.

- ناشين: صدقت يا مولاي.

أخذ هيكا يتصفح الجريدة الصغيرة، قارئا كل تفاصيل الأخبار و المقالات فيها، بينما يحدق الجميع إليه، بعدها مزق الجريدة تمزيقا، و عاد ليجلس على كرسيه.

- هيكا: اسمعوا أيها الوزراء، ما كل ما يعلم يقال، إن مهمتكم الأولى هو طمأنة الناي، دعوا الأمور كما هي، حاولوا أن تتصرفوا و كأن شيئا لم يحدث، و أنت يا ناشين، قم بكتابة مقال حول هذا الموضوع في الصفحة الأولى، و حاول أن تجعل الناس يصدقون أن تلك الجريدة نشرت خطأ من طرفنا.

- وزير التعليم: و إها لأول مرة يكذب حاكم على إكلينا !

- هيكا: أف لهذا الحظ الذي أدار ظهره لي ! و لكن، أما سمعت أن الضرورات تبيح المحظورات ؟

- وزير الداخلية: بلى يا سيد إكلينا.

غادر الجميع المكان.

خرج هيكا متنكرا إلى الشارع، ليطمئن على أحوال جزيرة إكلينا، مرتديا زيا شعبيا أصفر، تجول في مختلف أحياء المدينة، و انتهى به المطاف جالسا بإحدى أرقى المقاهي المتواجدة على سواحل الشاطئ الغربي، المقهى كانت مكتظة بالناس، بجانب طاولة الحاكم، طاولة أخرى و قد أحاط بها خمسة شبان، بدوا و كأنهم يشاركون في محاضرة علمية، فضول الحاكم، و ربغته في معرفة الموضوع الذي يتحدث عنه هؤلاء الشبان، جعله يتحايل بطريقة خاصة، من أجل سماع حديثهم، رمى مفتاح على الأرض عن قصد، ثم حمل كرسيه، و جعله اقرب إلى طاولتهم، ثم هوى إلى المفتاح لأخذه، و هكذا أصبح قادرا على تلقي كل الكلمات، لأن أذنيه أصبحتا أقرب منهم، و ما كانوا يتحدثون إلا عن الجريدة الدخيلة التي التي اربكت الحاكم، نهض هيكا حاملا معه كرسيه، فظل واقفا و كرسيه في يده أمام طاولتهم.

هيكا: تسمحون؟

- الشاب 1 : تفضل، لكن ...

- الشاب 2 : دعه يجلس أولا..

ابتسم هيكا ثم جعل كرسيه على الأرض، فجلس والشباب يحدقون به.

- هيكا: لقد سمعتكم تتحدثون عن تلك الجريدة الغريبة، التي ظهرت، و أردت أن أشارككم الجلسة.

- الشاب3 :لقد جئت في الوقت المناسب، فأنا أريدك أن تخبرهم، بأن الجريدة قد نشرتها وزارة الإعلام عن خطأ فقط.

- الشاب2: ماذا تقول يا هذا ؟

- الشاب1: لو كان ما تقوله صحيح لوضع تنبيه في جريدتنا بريزاكلينا.

لم يترك الشباب فرصة لهيكا ليدلوا بدلوه، فما إن ينتهي أحدهم من الكلام، حتى يبدأ الآخر، و هكذا تواصل الحوار، هيكا بدا مهتما جدا، و هو يدون في ذهبنه كل فكرة يسمعها، قام من كرسيه، و توجه تحو سيارته من دون أن يدرك أحدهم أنه هيكا، حاكم جزيرة إكلينا.

لم يعهد هيكا التجول في الشوراع و الحديث مع الناس، و الجلوس في المقاهي، إلا أن قضية هاته الجريدة، غيرت الكثير في حياته، دخل هيكا إلى قصره، توجه نحو الشرفة يراقب غروب الشمس، الشمس التي بدت غاضبة إلى درجة أن السماء من حولها تاثرت بلونها الأحمر،كان يحرك أصابعه باستمرارجيئة و ذهابا، فتكتمل صورة رجل مرتبك قلق، فصار كل شيء غاضبا ...

و ماهي إلا لحظات حتى نادته زوجته * الأميرة جيهانيس * " فنجان قهوة حلو ينتظرك يا عزيزي" أوقف حركة أصبعيه، ثم أدار وجهه إلى الخلف، و من خلال الباب الفاصل بين الشرفة و المنزل، بدأ يراقب حركات زوجته و جالسة تنتظر قدومه للطاولة.

استجاب لدعوة زوجته، ثم جلسا معا يشربان قهوة ساخنة، و القهوة بالنسبة للإكلينيين هو رمز للقوة و الذكاء أيضا، و هو تقليد قديم يقوم به الحكماء في هاذه الجزيرة.

بعدما نفذت القهوة من فنجانه، نفذت طاقته من جسمه، و من دون أن يحدث * جيهانيس * ولو بكلمة واحدة، اتجه إلى سريره المريح، منتظرا قدوم النوم، الذي قد يعبر مسافات طويلة ليصل إليه، أو قد لا يأتي هذه اليلة، و هذا ما حدث بالفعل، فالحاكم هيكا، لم يتذوق طعم النوم، باله بات مشغولا بلغز الجريدة، و هكذا قضى ليلته، و هو يبحث عن مفاتيح لحل هذه المشكلة، نهض من سريره، غسل وجهه، ثم جلس أمام المرآة يحدث نفسه " ما فائدة حاكم عاجز عن حل أبسط المشاكل؟ " ثم قال أيضا " ترى كيف يتعامل حكام العالم مع آلاف المشاكل في بلدانهم؟ " ، ابتسم ثم أضاف " ماذا أنتظر من حاكم لم يسبق له أن عرف معنى " مشكلة " ليقضي عن هؤلاء الدخلاء؟ " ، و هو على الحال، إذا بصوت آخذ في الارتفاع يوحي بأن صاحبه قادم بسرعة نحو باب غرفته، صوت ينادي " سيدي ...سيدي هيكا ... لقد فعلوها..لقد نشروا عددا آخر! " بعدما سمع عبارة " نشروها " اغتم وجهه، و احمر، ثم فتح الباب ليجد عددا آخر من تلك الصحيفة، تبدوا أكثر سمكا من سابقتها، تناول الجريدة بين يديه، ثم اغلق الباب تاركا الخادم في حيرة من أمره، خصص ساعة كاملة لقراءة كل ما كتب في الصحيفة، ثم اتصل بوزرائه و مستشاريه، و دعاهم لاجتماع طارئ.

بقاعة الوزراء، تجمع المسؤولون و معهم هيكا، و الكل يعرف سبب الاجتماع. في الوقت الذي أخذ كل وزير و مستشار مكانه، كان هيكا يتحرك باستمرار، يمينا و يسارا، حاملا معه قلما بين أصبعين، و يتحدث " اتعلمون أنه و لأول مرة في تاريخ الجزيرة، يعقد اجتماع طارئ مرتين في أسبوع واحد ؟ "

- وزير الداخلية: إنها إذن شهادة متميزة لتاريخ جزيرتنا!

- هيكا: هل قرأتم العدد الجديد منها ؟

- المستشار: نعم يا سيدي، و ما أثارني فيها، فهي لا تتحدث كثيرا عنا،بل تسترسل في الحديث عن المستقبل،ومن حين لآخر تغوص في أعماق تاريخ الجزيرة.

- ناشين: ولكن لم أنتم مفزوعون، أرى أنها لا تشكل خطرا علينا.

- وزير الداخلية: أما قرأت يا ناشين ما كتب على تاريخ أجدادنا؟ أوليس هذا تكذيب لما ندرسه الآن لأطفالنا؟ إنه يا سيدي هيكا لتهديد صريح لنا،وقد يعتقد البعض أن الأمر بسيط.

- المستشار: يا سدي هيكا، فالأمور خرجت عن السيطرة، و نحن لم نعد نشكل حصنا للشعب، هاته هي الحقيقة يا مولاي، إننا فشلنا في أول مهمة لنا في التاريخ.

يضغي إليه الحاكم جيدا، و ينظر إلى وزير الدفاع، و كأنه يريد أن يوقظه من سباته، وصلت الرسالة إلى كلستان الوزير المعني، ليأخذ كلمته.

- كلستان: الأمر لا يعنيني، لا يمكن استعمال لغة الحرب لنتواصل مع لغة الأقلام.

- المستشار 2 : إنك تتملص من واجبك يا كلستان!

- المستشار1: سيدي هيكا .. إن هاته الجريدة تحمل مشاكل كبيرة في جعبتها إلينا، إنها تنشر بكل حرية ما رغبت في نشره، و لربما تنشر غدا مقالات عنا، و لربما دعت الشعب إلى القيام بانقلاب ضدك، وسيستعملون ذكاؤهم الماكر، لإقناعم بذلك، و لربما ينشرون ثقافات دخيلة، فتضمحل عاداتهم التي ورثوها أبا عن جد، و الكثير من الاحتملات المتوقعة يا سيدي.

يهز الحاكم رأسه ببطء، و كأنه يعلن بذلك عن استيعابه الجيد لكلام مستشاره، ثم يقول " الحقيقة خفية، إن كل ما بوسعكم الآن فعله، هو الاجتهاد أكثر في البحث عن هؤلاء، و بموازاة ذلك، حاولوا تلطيف الأجواء خارجا" و هكذا انتهى الاجتماع السريع، وقامت الشرطة المختصة بالبحث في الموضوع، لكن من دون نتيجة مجددا، فانتظروا اليوم الموالي ليقرؤوا ما سيجيء في العدد الثالث، و هذا ما حصل بالفعل، و في هذا العدد، حديث مطول جدا عن أمارات نهاية العالم وقربها، و الكوارث التي تسبقها و غيرها، و هكذا غزا الرعب قلوب النساء و الرجال و الأطفال الذين لم يسبق لهم أن أدركوا أن لهذا العالم نهاية، و ان هذه النهاية تكون مريعة، الحاكم بنفسه صدق ذلك، و احتار كيف يطمئن شعبه، و اقتنع بعد ذلك، و طول ساعات هذا اليوم، بدأ الحاكم يفقد سيطرته عن أعصابه لحظة بعد لحظة، ففقد رغبته في قراءة القصص، و فقد شهيته حتى عن الطعام و الكلام، فلم يحدث أحدا، إلا الاتصال الذي أجراه مع مستشاره الأول، و حثه من خلاله على القيام بحملة إنذارية للمواطنين و دعوتهم إلى تجنب قراءة أعداد هاته الجريدة، و بموازاة ذلك، انتشرت الشرطة في كل مكان، تحسبا لأي انفلات أمني، و بدأت الأمور تسوء أكثر في جزيرة إكلينا.

اليوم الموالي، عرف انعطافا فجائيا لمنحى القضية، حيث حمل العدد الرابع تهديدا بالقتل لحاكم إكلينا، الذي تذمر من معرفته ذلك، و ما إن علمت مصلحة الأمن بالأمر حتى سارعت لاتخاذ احتياطات كبيرة تضمن سلامة الحاكم الذي كان متخوفا من تعميم هذا التهديد على جميع سكان الجزيرة، واجهت وزارة الإعلام هذا الهجوم، بتخصيص عدد كامل من جريدة بريزاكلينا لهذا الخبر، و محاولة تهدئة الأوضاع، و تكذيب شائعات اغتيال الحاكم، و نظرا لمكوث جميع المواطنين داخل منازلهم، فقد ارتأت شركة التوزيع على طرق أبوابهم و تسليمهم الصحيفة و بالمجان ! أما هيكا فقد ألحت سلطة الأمن عليه المكوث في القصر، و هكذا وجد الحاكم نفسه مقيدا و عاجزا عن التحرك، لأن دستور إكلينا يعطي أحقية اتخاذ قرار أمني للأمن الخاص على حساب الحاكم، و احتراما منه للدستور المقدس الذي وضع منذ ثلاثين ألف سنة خلت، فقد رضخ لأوامر الأمن الخاص، و اكتفى بإجراء اتصال آخر مع نائب وزير الداخلية فيكوزا.

- هيكا: معك السيد هيكا، الحاكم.

- فيكوزا: سعيد باتصالك يا فخامة الحاكم.

- هيكا: كيف تسير الأمور خارجا ؟

- فيكوزا: و كان الجزيرة لم تعرف الحياة يوما ! الشوراع خالية، المتاجر مغلقة، و المصانع مفتوحة ولاعامل بها، الشرطة في كل مكان تقوم بعملها.

- هيكا: حسنان أريد أن أعرف...

- فيكوزا: ماذا تريد معرفته يا سيدي ؟

- هيكا: هل قرأ المواطنون العدد الأخير من تلك الجريدة؟

- فيكوزا: لا يا سيدي، فهم في مساكنهم، و لم يغادروها منذ أمس، فكيف لهم أن يحصلوا عليها!

- هيكا: أ لا تظن معي أن هؤلاء الغرباء يتعاملون معنا بطريقة ما ؟

- فيكوزا: هذا ما فكرت فيه، فتحذيرهم للمواطنين من الخروج من المنازل، لم يكن اعتباطيا، ولابد أن يكون هناك مبتقى ما وراء ذلك، و ما ألاحظه يا سيدي أن بعد ذلك التحذير مباشرة نشر تحذير خاص لك، و كملاحظة أو فرضية أولية فقط، فإن هؤلاء لا يريدون من الشعب الإكليني أن يعلموا بأنك مهدد من طرفهم.

- هيكا: لم أفكر في هذا، مهلا، فقد تحدثت عن الأهداف قبل قليل، هل صغت فرضيات حول الموضوع؟

- فيكوزا: هناك مجموعة من الاحتمالات، فقد تكون رغبة هؤلاء هو تولي الحكم!

- هيكا: ماذا ؟!!

- فيكوزا: كل شيء وارد يا سيدي مادام العدو خفي...دعني أتمم...وقد تكون أهدافهم اقتصادية، و ربما بطريقة ما سيكتسبون مالا و فيرا على حساب مواطنينا.

- هيكا: و كيف ذلك؟

- فيكوزا:هذا مجرد تخمين !!

- هيكا: شخصيا، فيمن تشك؟

- فيكوزا: سكان الفضاء!

- هيكا: ما هذ الهراء ؟

- فيكوزا: إذن فأنت تعرف من يكونون ؟

- هيكا: كلا !!

- فيكوزا: إذن، فلماذا ضحدت هذه الفرضية بسرعة؟

- هيكا: لأنه أمر مستبعد جدا، فمتى سُكن الفضاء ؟

- فيكوزا: لن أجيبك، و أمر إلى فرضيتي الثانية.

- الحاكم: لا آمل أن لا تتحدث عن الجن !

- فيكوزا: إن الفرضية يا سيدي الحاكم، تحتمل الخطا والصواب، فلو استطعت أن تثبت لي أن إحدى الثقلين بريء، فسأخبرك من الفاعل.

- هيكا: شكرا لك سيد فيكوزا، سأتصل بك لاحقا ... وداعا!

قطع الاتصال، ثم اتكأ على كرسيه الأسود، يتأمل بستانه من خلال النافذة الكبيرة إلى أن زال الاخضرار عنها، و طالها الظلام، فبعث القمر نوره، بعد أن تأكد من أن الحاكم قد نام فعلا في هدوء...هدوء استمـــــر حتى الصباح ليكسر برنين الهاتف، الذي أفزع هيكا، واستيقظ كالمجنونـ و بادره المتصل قائلا و هو يتردد في كلامه.

- ناشين: طاب صباحك يا سيدي... لن يروقك يا سيدي ما أريد قوله.

- هيكا: لا تقله إذن !

- ناشين: و لكنه في غاية الأهمية.

- هيكا: تحدث بسرعة.

- ناشين: لقد نشر عدد من الجريدة.

- هيكا: لذلك فقط اتصلت بي ؟

- ناشين: و لكن لن تتصور يا سيدي ما جاء فيها.

- هيكا: تثير أعصابي يا هذا ! هل لك أنت تتحدث دفعة واحدة ؟

- ناشين: لقد هددوا الجميع الآن بالقتل إن هم غادروا منازلهم!

شهق الحاكم ممددا شفتيه سطحيا، ثم خفض رأسه، و وضع كفيه على رأسه، ملقيا بالهاتف بعيدا عنه في نوبة غضب قائلا " لقد تنبأت بهذا " أسرعت زوجته إليه مستفسرة " ماذا دهاك ؟ " نظر إليها نظرات مليئة بالحسرة ثم قال " لقد اقتربت نهايتي ! " ابتسمت زوجته، ثم اقتربت منه أكثر، ضربت بكفها على رقبة هيكا قائلة " كن رجلا، ودعني أفخر بك زوجا و أميرا، أخبرني لمَ كل هذا التشاؤم؟ "

- هيكا: الأوغاد هددوا سكان إكلينا بقتلهم إن هم غادروا منازلهم.

- جيهانيس: مت حدث ذلك ؟

- هيكا: في آخر أعداد جريدتهم المشؤومة.

- جيهانيس: في البداية، لم اهتم بأمر هاته الجريدة التي تتحدث عنها، و حسبت ذلك مجرد دعابات، و لكن القضية أصبحت جدية جدا، إذن فما العمل ؟

سقط هذا السؤال مباشرة على ذهن هيكا، فلازم الصمت.

- جيهانيس: تتصرف على غير سجيتك يا عزيزي، فضلا، أريد قراءة هذه الجريدة.

- هيكا: يحق لك فعل ذلك.

- جيهانيس: إذن، فكيف لي أن أحصل على واحدة منها.

- هيكا: أطلبي ذلك من الخادم رقم ثمانية.

اتجهت جيهانيس إلى الهاتف،فاتصلت بالخادم وطلبت منه إحضار الجريدة. و لم تمر على ذلك أكثر من دقيقتين حلى طرق الهادم الباب حاملا معه الجريدة المرجوة، جلست جيهانيس لتتصفحها. مد الحاكم يده نحو الهاتف، ثم اتصل بفيكوزا.

- هيكا: ها أنذا أتصل بك مجددا يا سيد فيكوزا!

- فيكوزا: أنا دائما في الخدمة يا سيدي.

- هيكا: هل تصفحت عدد اليوم؟

- فيكوزا: يؤسفني أن أقول هذا يا حاكم جزيرة إكلينا، و إن إن أرضنا في خطر، و شعبنا في خطر، و أنت من يجب عليه إصدار الأوامر لحمايتها، فأنت المسؤول الأول على أمن هاته الجزيرة.

- هيكا ( غاضبا ) : و ماذا تظنني فاعل ؟ لقد تعب ذهني من التفكير و لم أتوصل لاي شيء، لقد فشلت في تنظيم الأوامر، وأنا الآن عاجز و فاشل، سأقولها بصوت عال... أنا فاشـــــــــــــــل..أنا لا أستحق أن أكون حاكما لهاته الجزيرة...

- فيكوزا: تمالك نفسك يا سدي المحترم، فلابد من التصرف الحكيم لبلوغ الغاية، و أنت ملزم و مجبر على الدفاع عن شعبك و وطنك، و مادام عليك فعله، فأجد صنعه.

- هيكا( و قد امتص غضبه ) : كل ما أتمناه هو أن أجد هؤلاء المجرمين...لدي سؤال يا فيكوزا.

- فيكوزا: تفضل !

- هيكا: هل حصل المواطنون على عدد اليوم من تلك الجريدة؟

- فيكوزا: نعم يا سيدي.

- هيكا: تبا ! و كيف فعلوا ذلك، وهم في منازلهم لا يغادرونها البتة؟

- فيكوزا: لا أدري يا يسدي، الأمور على هاته الجزيرة أغرب من الخيال!

- هيكا: اسحب عبارتي عن الجن.

- فيكوزا(ضاحكا): يسعدني أنك اعترفت، وأخيرا.

هدأت أعصاب هيكا بنسبة كبيرة، وبدأ يبتسم من حين لآخر و هو يتحدث مع فيكوزا.

- هيكا: اين وصلت في تحرياتك الخاصة؟

- فيكوزا: في الوقت الراهن، أحاول ربط الأفكار بين المقالات المكتوبة في كل الأعداد الصادرة.

- هيكا: و هل تظن أنك ستنجح ؟

- فيكوزا: كل الصعوبة ألاقيها في البداية !

- هيكا: و كم من الوقت ستكلفك المرحلة الاولى من عمليتك؟

- فيكوزا: ربما يوم أو نصف يوم.

- هيكا: آمل أن تنجح في ذلك!

- فيكوزا: إن قلبك طيب جدا يا سيدي الحاكم، وفهذا فإني أعتبرك أخا لي.

- هيكا: هذا أمر يخصك!

- فيكوزا: و لهذا أردت مصارحتك.

- هيكا: لا مزيد من إثارة الأعصاب رجاء !

- فيكوزا: أرجوا أن لا تقطع الاتصال قبل إتمام حديثي

- هيكا: ليس في ذاتي شيء يحثني على فعل ذلك.

- فيكوزا: إنك يا سيدي المحترم لا تهتم بأمن شعبك أكثر مما تهتم بسلامتك أنت، فاليوم الذي هددوك بالقتل طالك الفزع و الخوف، ولم تذق طعم النوم، أما اليوم، فإنك تضحك و كأن أمر الشعب لا يهمك.

استشاط هيكا غضبا وصرخ بأعلى صوته في السماعة " إياك و أن تتجرأ بالحديث معي هكذا مجددا ! " ليرمي بالهاتف خارجا، و تتناثر أجزاؤه على الأرضية المبلطة، توقفت جيهانيس برهة عن قراءة الجريدة، ثم نظرت إلى زوجها مستغربة، وقالت " ما بك يا رجل؟ " نظر إليها هيكا ثم قال " ليتك ناديتني * يا زوجي * كي أضمن عل الأقل أمومتك لابني، قبل أن تصبحي أرملة " اشتد استغراب جيهانيس من كلام زوجها، و ما كادت تنطق بكلمة حتى سمع صوت عويل متواصل، يليه زئير أسود غابة الغانش، استأثر الأمر باهتمام الزوجين، فصعدوا معا نحو الطابق الثالث من القصر، و توجهوا نحو الشرفة لينظروا خارجا إلى ما يحدث حاملا معه منظارين شديدي الدقة، تسربت نسمة باردة إلى جسديهما، تلتها موجة عاتية من الرياح، والتي بدأت تأخذ طابعا قويا، فاصطحبت معها سحبا كثيفة ظللت الجزيرة بأكملها، ليبدأ حفل التصوير مع دق الطبول، بالفعل فسنا البرق أضاء بالأبيض ما أخفته الغيوم، و دوي الرعد وضع حدا للصمت القاتل الذي لازم الجزيرة منذ أيام، و ما هي إلا لحظات حتى بدأت الأمطار تتهاطل بغزارة، بينما الزوجان مبتهجانـ يتابعان العرض، و فجأة اشتدت قوة دوي الرعد، وتحولت السماء إلى حفل للألعاب النارية، إنها الصواعق القاتلة، التي بدت كسهوم الهنود الحمر تأخذ منحاها نحو الأرض، فتقصف عشوائيا، و بسرعة تسرب الرعب إلى قلبي الزوجين، ففروا إلى الداخل، مكتفين بالاستماع إلى للضجة الطبيعية في الخارج، و للأصوات الحادة التي تسبق الصواعق، لصوت الحيوانات المفزوعة، قرر هيكا العودة إلى الشرفة لمشاهدة ما يحدث، و قد تزامن ذلك مع تفجير أول معمل، و الكارثة أن في داخل المعمل مواد كيماوية سامة، و بأعداد هائلة، تلاه نفجار مصنع آخر بالقرب منه، و تحولت الرياح إلى عواصف شديدة القوة، بينما منسوب المياه بدأ يرتفع شيئا فشيئا، فتسربت غازات سامة وانتشرت في كل أنحاء الجزيرة. وفي خضام هذا الصراع الطبيعي، كان يستذكر هيكا كلام فيكوزا " ... إنك يا سيدي لا تهتم بأمر شعبك، أكثر مما تهتم بسلامتك أنت ..." و راح يتصور وضع سكان إكلينا و هم في منازلهم مفزوعين، استجمع قواه، تشجع بحب الوطن الذي لم يجد يوما كيف يعبر عنه، غادر الشرفة بسرعة متوجها نحو مخزن ملابسه، ارتدى زيا عسكريا، ثم اتجه إلى زوجته، و جلس بجانبها ثم قال " هل تؤمنين بالقدر؟ " زوجته التي كانت منشغلة بقراءة الجريدة، سرعان ما نظرت إلى زوجها مستغربة من السؤال قائلة "ما هذا الزي؟ تبدوا وطنيا حقا ! " تلقى هيكا هاته العبارة الأخيرة بابتسامة كبيرة تخفي من ورائها شوقه الكبير لسماع ذلك منذ توليت الحكم، حدق في عيني زوجته، ثم سألها " هل تؤمنين بالقدر ؟ "

- جيهانيس : نعم.

- هيكا: هذا يكفي إذن.

- جيهانيس: يكفي لماذا ؟

- هيكا: إن الإيمان بالقدر يسكت ألم القلب، و يرقع حصير الندم، انتظريني ... سأعود بعد قليل.

توجه هيكا بخطاه المتسارعة إلى بيته السري، حمل ريشة بين أصبعيه، غمرها في مداد أحمر يروي به عطش ورقته، وضعها في ظرف ثم اختار لها مكانا وسط وثائقه، غادرهيكا غرفته التي لم يدخلها مخلوق آخر غيره، تعمد ترك الباب مفتوحا، بعدما كان يحكم إغلاقه، و يكنز مفتاحه في فم دمية، لم تتوقع زوجته يوما أن يكون هناك. عاد إلى زوجته و أراد أن يكلمها رغم ارتباكه و تردده الشديد.

- هيكا: لطالما أحببتك، و أحببت من أحبك، و عشقت الحياة معك، و قد خلت نفسي أسعد إنسان في الجزيرة، لكونك زوجتي، و تمنيت لو أني سأمكث بجانبك حتى بعد الموت.

- جيهانيس: لم أعهد هذا الغزل من قبل.

- هيكا: أنا لا أغازلك يا عزيزتي، إن ما أقوله الآن ينبع من عمق قلبي.

- جيهانيس: لا ضير إن قلت إنك تريد أن تعترف لي بشيء ما.

- هيكا: لا شيء من هذا القبيل يا سيدتي، أريدك أن تعترفي لي، و أن تحدثيني بصدق.

- جيهانيس: كفى، إنك تخيفني !

- هيكا: هل زوجك جبان في نظرك ؟

- جيهانيس: فقط في حالة وحيدة.

- هيكا: و ما هي ؟

- جيهانيس: حينما لا يعرف حقيقة الشيء.

- هيكا: قد تكونين محقة، حسنا، نحن لازلنا في رقعة الصراحة، كيف تعلقين عن العشرين سنة التي عشناها معا ؟

- جيهانيس: لا أتذكرها جيدا ! فلم أعش يوما مشكلا، كي أتذكر ذلك، و هذا عيب سكان الجزيرة، أنهم لا يتعرضون لمشاكل أبدا، و هكذا فإنه ليس للحياة معنى، إن لم تتخللها مشاكل.

- هيكا: غريب ! أنت تفكرين و كأنك لا تنتمين إلى هاته الجزيرة... و هذه فرصة لأعترف لك أني قد استغللت ذهابك إلى منتجع استوفيا لأقرأ مذكراتك.

- جيهانيس: ماذا ؟! ألم أطلب منك عدم قراءتها ؟!

ضحك هيكا، و ضحكت مع زوجته جيهانيس.

- جيهانيس: أراك استرسلت في الحديث عن الذكريات و الاعترافات، ما بك ؟

- هيكا: كل ما في الأمر يا عزيزتي، أني سأغادر هذا البيت، و ربما هذا العالم ! لقد قررت ذلك.

أصيبت جيهانيس بنوبة قلبية حادة إثر سماعها قرار زوجها الصادم، أسرع هيكا للاتصال بالاسعاف، ولكن خطوط الاتصال كلها انقطعت بسبب الصواعق، أصيب الحاكم بارتباك شديد، و هو يحمل زوجته الفاقدة الوعي، يجري في القصر كالمجنون، وضعها على السرير، ثم أسرع لإحضار الماء، ورشها به، و غسل وجهها، ثم بدأ يحرك يديها الاثنتين و هو يناديها، فلا تستجيب، لتحوم حوله شكوك موتها، و رغبة منه في التأكد من بقائها على قيد الحياة، تحسس نبضاتها، فلم يصدق ما أدركه بعد ذلك، لقد توفيت زوجته للتو، و هو الذي ظن أنه سيترك أرملة خلفه، أصبح زوج جثة، و ما كان ليصبرأحد على موت نصفه الآخر، فقد صرخ الحاكم بأعلى صوته مناديا باسم زوجته، ودع الجثة، ثم خرج من قصره إلى الخارج، كما قرر، وما كانت الرياح الشديدة لتعيده إلى الوراء، و لا دوي الرعد ليوقفه عن التقدم، فقد ارتدى قناع الشجعان، و راح يطرق أبواب المنازل ليطمئنهم، و يحثهم على تمالك النفس، لكن سرعان ما تسربت إلى رئتيه الغازات السامة، و غادرت الروح جسده، و هو يقدم أزهى صور التضحية من أجل الوطن.

مرت الكارثة، ماتت كل الحيوانات، ذبلت الأزهار، و اجتثت الأشجار، وفسدت الأراضي الزراعية، ولكن نجا جميع السكان! ساعات بعد عودة الأمور إلى نصابها، خرجت الشرطة إلى الميدان لتطلع على حجم الخسائر، و غادر السكان منازلهم ليشاهدوا ما حل بجزيرتهم و نسوا التهديد السابق، و ما فتئت الشرطة تبحث عن الصقور المقدسة حتى اصطدمت بجثة الحاكم هيكا، و بجانبه علم جزيرة إكلينا، فتم نقله مباشرة إلى المصحة، و بعد التأكد من وفاته، تم وضعه في تابوت و دفن في أرض الجزيرة، و بكا الجميع لوفاته، اعترفوا بحبه لوطنه و إيثاره مصلحة الشعب على مصالحه الشخصية، و أثبت ذلك بطريقته الخاصة هاته، و في نفس اليوم تم اكتشاف جثة زوجته في القصر، و تم دفنها بجوار زوجها، و في صباح اليوم الموالي ، نشر عدد سادس من الجريدة المجهولة فزرع الخوف مجددا في قلوب المواطنين، فأخذ كل واحد منهم صحيفة و أسرع إلى منزله مغلقا الباب وراءه، ليتمكن من قراءة التهديدات في مكان آمن، و لكن على عكس ما ظنه الاكلينيون فقد صيغت الجريدة بشكل لطيف، بينما زاد اندهاش المسؤولين، و عجزت وزارة الإعلام التعليق عنها، لقد تضمن هذا العدد مجموعة من النصائح المهمة لإعادة بناء الوطن، و تنقية الأراضي الزراعية، كما دعتهم إلى التحلي بالصبر أثناء المصائب،و توقع أي شيء مفاجئ و في أي لحظة، سواء كان إيجابيا أو سلبيا، كما حثتهم على ضرورة تطوير الإعلام، و اكتشاف الكواكب، مستدلة بذلك، أن التطور العلمي لن يكون تطورا في حد ذاته، إن لم يخترق المحيط، و في الصفحة الأخيرة تأكيد على حب الحاكم السابق لوطنه، و دعوة لاختيار حاكم آخر على غراره غيور عن وطنه، و حدث أن كل من أتم قراءة الجريدة خرج للشارع مبتهجا، أقر المجلس الدستوري لجزيرة إكلينا ضرورة تعيين حاكم جديد للجزيرة في أقل من أسبوع، و رغبة منهم في إعادة تأثيث القصر استعدادا لاستقبال الحاكم الجديد، حل بالمكان بعض المسؤولين، فزاروا كل الغرف و القاعات، إلا القاعة السرية، لأن دخولها ممنوع منعا كليا كما جاء في الدستور، و أنه يسمح فقط للزوجة بعد وفاة زوجها دخوله، و في هاته الحالة، فالزوجة متوفاة، و قررت بموجب ذلك مصلحة الأمن إعطاء تصريح الدخول لوالي الأمن فقط، توجه نحو الملفات، ثم وضعها في صندوق زجاجي، و فجأة سقط غلاف أصفر مكتوب عليه " من هيكا إلى شعبه " شعر الوالي بالفضول، ففتح الظرف ثم أخرج ورقة بيضاء مكتوب عليها " إنني الآن جثة هادمة، وما كان المحتضر ليكذب، هذه رسالتي لشعب إكلينا، أرجوا أن تقرؤوها بصوت عالي في الساحة، و أن يسمعها كل صغيرو كبير * أنا هيكا، لطالما أحببتكم جميعا، لأنكم أجمل شعب في الدنيا، تقاسمنا أجمل اللحظات معا، لم أجد فرصة يوما لأعبر لكم عن حبي لهذا الوطن، و لكن هاته المرة أتيحت لي الفرصة، فليتكم تقبلون حياتي هدية لكم، و ليتكم تعلمون أن شخصا ما قد ضحى بحياته و هو يقول لي ’ ... إنك لا تهتم بأمن شعبك، أكثر مما تهتم لسلامتك أنت’ لقد قالها بطلاقة، بعدما استشعر بي جبنا وعدم اكتراث بأمنكم أنتم، أنا الآن أعتذر له عن ما بدر مني بعد ذلك، راجيا منه أن يعرف الآن أني لست كما يتهمني ، و إنه لأحق أن يكون حاكمكم الجديد* حمل الوالي الرسالة مسرعا نحو وزارة الداخلية، قتم دعوة جميع المواطنين للحضور في الساحة، و كان من بين الحضور، السيد فيكوزا الذي لم يدر نبأ الرسالة، كلف داديس لقارءة هاته الرسالة، و هو صحافي في جريدة بريزاكلينا، اقترب أكثر من الميكروفون ليبدأ حديثه " تحية أبيض اليمام، و حمام السلام، لقد لبيتم دعوة حاكمكم " استغرب الحضور متسائلين " هل تم تعيين حاكم دون إخبارنا بذلك ؟ ومتى ؟ " ثم واصل داديس حديثه " لقد لبيتم دعوة السيد هيكا، فشكرا لكم " بدأ صوت الحاضرين يعلوا مجددا مستفسرين " هل السيد هيكا حي ؟ و هل أعيد الروح إليه ؟ ..."

داديس، بمقدمته الخطابية الفريدة، أصر على الإتمام و إسكات الحاضرين " لقد وجدنا رسالة، كتبها السيد هيكا، و طلب منا قراءتها إليكم، و إليكم نصها " سكت الجميع فقرأ داديس الرسالة كاملة، و ما ان انتهى حتى هتف الجميع مرددين " هيكا ! هيكا ! " و بدأت الدموع تنهمر من أعين النساء، فرحا بطيبوبة قلب حاكمهم السابق، و حزنا على رحيله، أما فيكوزا، فقد بدأت تتلألأ عيناه بالدموع ، و هو يستحضر عبارات السيد هيكا، قال في نفسه الحزينة " لقد أخطأت في حقي و اعتذرتَ، و كيف لي أن أعتذر لك عن خطئي، و أنت ميت؟ " و فجأة سمع صوته يردده آلاف الحاضرين، فتقدم حيث يقف داديس بدعوة من وزير الداخلية، فتم اختياره حاكما لجزيرة إكلينا بموافقة كل الحاضرين، و في أجواء من الفرح و البهجة، لتنطلق الاحتفالات في كل أرجاء الشوارع، و كأول إجراء اتخذه كحاكم أن أضاف مجموعة من الأهداف و السياسات الجديدة في * مجلد إيكلانوس العتيق * وقد استقاها من العدد الأخير من الجريدة المجهولة.

و رغم توليه الحكم، لم يستغني يوما عن تحليل حطاب الجرائد الغريبة، إذ وفر وقتا خاصا لذلك، و توصل إلى مجموعة من التفسيرات، لمضامين الأعداد الستة من الجريدة المجهولة و علاقتها بالواقع، إذ توصل إلى أنه في العدد الأول صدرت الصفحة الأولى بعبارة أجداد، ثم أن في الصفحة الثانية من العدد الثاني صدرت بعبارة المستقبل، الصفحة الثالثة من العدد الثالث صدرت بعبارة نهاية العالم، الصفحة الرابعة من العدد الرابع صدر بعبارة التهديد، و إن في العبارات الأربع ( الأجداد - المستقبل - تهديد - نهاية العالم ) لحكمة كبيرة إذ أن المستقبل تدل على شيء ما سيحدث قريبا، نهاية العالم تدل على الكوارث و المصائب، و التهديد كلمة تفسر نفسها، و هذا ما يرتبط ضمنيا بما حدث ذات يوم، اليوم الذي توفي فيه هيكا، و لكن رغم مهارته في التحليل و خلق الفرضيات، فقد فشل في إشراك عبارة الأجداد في ذلك، و بقي يبحث و يتقصى في الأمر سنين، و ذات يوم و هو جالس مع ابنه يحدثه عن تلك الكارثة التي حلت بهم ذات يوم، و عن تلك الجريدة المجهولة، سأل الابن أباه " و من الذي كان يوزع تلك الجرائد يا أبي " فأجابه " لا أدري" ثم أضاف الابن " إن من كان يفعل ذلك ليس إنسانا مثلنا " دخلت زوجة فيكوزا و هي تقول " يا ابني العزيز! تشبه والدك تماما في الاستنتاجات" ضحك الأب، و ما كاد يبرح مكانه حتى قفز الابن على ركبتيه قائلا " أبي ! أريد أن أعرف"

- فيكوزا : لقد أخبرتك أني لا أعرف من .

- الابن: ألح يا أبي.

- فيكوزا: لا تخف يا بني، إنهم ليسوا وحوشا، بل هم أناس أخيار، و يريدون لنا الخير.

- الابن: أناس أخيار ؟ كيف عرفت ذلك؟

- فيكوزا: لأنهم حذرونا من الكارثة و أنقذونا من الموت...هل ستدعني الآن أذهب إلى فراشي ؟

- الابن: لم تعد تعيرني أي اهتمام يا أبي مؤخرا ! إن استمررت على طبيعتك هاته، سأقتل نفسي ببركار زميلي.

- الأم : تتحدث كالكبار !

نظر فيكوزا إلى ابنه ثم ابتسم و هم بالوقوف.

- الابن: ليتك تشبه أجدادي، الذين كانوا يحبون بعضهم البعض حبا جما، و يخافون على الآخرين من أن يصيبهم أذى، هكذا حكت لنا أستاذة التاريخ يوم أمس، أما الآن فاب لا يهتم حتى بحياة ابنه بدأ الزوجان يضحكان بقوة ثم توقف فيكوزا فجأة عن الضحك، حينما تذكر لغز كلمة الأجداد، لزم الصمت دقائق و هو يتأمل جيدا، ثم قفز صائحا " وجدتها ! وجدتها ! " تماما كم فعل أرخميدس، ثم قبل ابنه على خده ثم قال له " إن فضولك ساعدني على حل لغز شغل بالي عشرين سنة " ثم عانقه بحرارة مضيفا " الآن أحبك حقا ! " قفز الابن من ذراعي والده، ثم قال " إذن لم تكن تحبني قبلا، إلا بعدما ساعدتك ! " ابتسمت الأم، ثم قال الأب " كلا يا بني ! " نظر إليه ابنه بتعابير وجهه الحادة ثم قال " صح من قال إن المرء لا يأخذ إلا بقدر ما يعطي" و فجأة سمع طرقا سريعا للباب وفتحه فإذا بالخادم، يحمل جريدة قائلا " سيدي الحاكم فيكوزا ، لقد وجدنا أمام باب القصر مباشرة هذه الصحيفة التي لا تحمل اسما، و ارتأيت أن أسلمك إياها، فلعل الأمر يهمك" صعق فيكوزا حين رأى تلك الجريدة، و سمع كلام خادمه، أغلق الباب بسرعة، و عاد حيث تجلس زوجته و ابنه، و بدأ الجميع يقرؤها، و هم مذعورون من هول ما كتب فيها من كوارث قادمةو تهديدات لكل الشعب، وقبل أن ينهي قراءتها، قام مذعورا و أجرى اتصالا هاتفيا بمستشاره.

- فيكوزا: يا سيد كلاسيس ! أطلب من وزارة الإعلام أن تبث على جميع القنوات نشرة تطمينية و تكذيبية لما جاء في الجريدة.

- كلاسيس: أية جريدة يا سيدي ؟

- فيكوزا : و كأنك لا تعيش على إكلينا !

- كلاسيس: لم أفهم شيئا.

- فيكوزا: لقد ظهرت جريدة مجهولة الهوية، تهدد الجميع، وتتنبأ بكوارث قادمة.

- كلاسيس: هل تحلم يا سيدي؟!

- فيكوزا: تبا لكم، قلت لك ...

و ما كاد ينهي العبارة حتى ضحك الابن ضحكة من الأعماق، و قال لوالده " أ ليس من الغبي يا أبي أن تقرأ نصف المقال و تترك الآخر لتصدر حكما عن الكاتب أو عن مضمون نصه ؟! " وضع الاب سماعة الهاتف، و اقترب بخطوات بطيئة نحو ابنه مستغربا " لماذا يا بني ؟ " ضحك الابن ثم أشار بيده إلى عنوان عريض كتب على الصفحة الأخيرة * نحن فخورون بك أيها الحاكم فيكوزا * ابتسم ابنه ثم قال " أجدادي يحبونك أكثر مما تحبني ! " لكن الأب بقي منشغلا بقراءة رسالة موجهة إليه، و كم كانت دهشته كبيرة حينما رأى توقيع السيد هيكا بجانب صورته، فسقطت دمعة من عينيه.

أنهى فيكوزا قراءة الجريدة، ثم قام بتنظيم صفحاتها ووضعها بلطف على المائدة. ثم اتجه نحو غرفته و أغلق الباب وراءه، فمد جسده على السرير بادئا بحل ألغاز أخرى " هل الأجداد أحياء؟ - كيف يكتبون الجرائد و يوزعونها على الناس؟ - لماذا لا نراهم؟ - كيف يتنبؤون بالمستقبل؟ - كيف يراقبون الحياة على جزيرة إكلينا؟ " و يوما بعد يوم تتراكم أسئلة أخرى على ذهنه فألف بذلك رواية سماها : (( بـــعـــيـــدا عـــن الــمـــنـــــطــــق ))



Continue Reading »