All Story From Blog

{ أشرف و نرجس } قصة حب فاشلة بقلمي

أشرف شاب في العشرينات من عمره، ينحدر من اسرة بسيطة، تعيش في احدى قرى شمال لبنان، يصرأشرف دائما على ان يبدو انيقا وهويتجه دائما من مسكنه البسيط في مدينة طنجة نحو المدرسة الابتدائية حيث يعمل هناك مدرسا، ويقضي وقت فراغه في التنزه وزيارة الاقارب، تلح عليه والدته بالزواج، لكن تجده دائما متهربا من موضوع الزواج،وحين تساًله عن السبب يرجع الاسباب الى عدم ايجاده لفتاة مناسبة ومحترمة، وحدث ذات يوم وهو في طريقه الى المؤسسة التعليمية
 ان راًى فتاة محجبة وجميلة تنير بوجهها الابيض،فخفق قلبه لاًول مرة اًمام فتاة،وسرقت قلبه في لحظات، ليفتح أشرف اْول صفحات الحب والاعجاب،وحكم عليه اْن يشاهدها في منامه و هي ترقص وتغني و تنادي باسمه. لقد لونت حياة أشرف بالأحمر و الوردي،وربطت قلبه بحزام سميك اٍلى وجهها،اٍنها الساعة السابعة صباحا،استيقظ أشرف
واًخذ حماما له،وتاْنق أكثر و لبس رداءاً جذاباً، لعله يسرق اْنظار الفتاة اٍذا ما صادفته مرة اأخرى، لم يكن أشرف متاْكدا من لقياه مرة اْخرى للفتاة لأنه لا يدري هل تقطن في اٍحدى المنازل المطلة على ذلك الشارع، أم حلت ضيفة فقط ذات يوم، بعدما انتهى من التأنق وأخذ وجبة الفطور،غادر المنزل متجها نحو المؤسسة. في الطريق شاهد تلك الفتاة ثانية، وبدأ يخطو بخطوات متثاقلة غير أنه سرعان ما قال لنفسه"الفتيات الجميلات لا يستيقظن باكرا " و واصل طريقه نحو المدرسة...وأثناء عودته ظهرا، صادفها و هي تسير في الاتجاه المعاكس، ولما أصبحت قريبة منه، حدق بوجهها لعدة ثوان، فزاد اٍعجابه بجمالها وواصل طريقه نحو المنزل،ومر على مكتبة المدينة ليقتني رواية عاطفية عن الحب. و هو ممدد على سريره.لقد قرر أشرف أن يكلمها هاته المرة اٍن صادفها و يصارحها بالحب"وليكن ما يكون"قال في داخل نفسه المتشوقة للحديث مع الفتاة،يتخيلها بجانبه في السيارة كزوجين و هي تحدثه عن ذكرياتها..آهٍ!! المسكين، يعيش أحلام اليقظة،و ما يكاد يجد وقتا ليصحح دفاتير تمارين تلامذته التي تثير جنونه،فتتراكم عليه عدد الصفحات ويختنق،لقد قضى أسبوعا كاملا وهو على هذا الحال،كلما وصل الى بداية ذلك الشارع يتباطأ في مشيته ليوفر فرصة أكبر لرؤيتها، لكن الفتاة لم تعد تمر من الشارع، وحتى أشرف لايزال يحتفظ بآماله،غير أن ذات يوم وهو في فصله يدرس تلامذة المستوى الثاني ابتدائي، قرر أن يقوم بحملة مراقبة لدفاتر اللغة العربية، وقام في النهاية بتوجيه انذار لثلاث تلاميذ لم يحسنوا تنظيم دفاترهم، وطلب منهم احضار أولياء أمورهم، وفي اليوم الموالي بينما كان أشرف في الفصل فإذا بتلميذه سعيد يطرق الباب ماسكا باليد الأخرى يد فتاة، لم يسمع الأستاذ طرقات الباب، و نبهه إليه تلاميذه، ثم نظر إلى الباب حيث لا يظهر إلا جسد سعيد، و كف الفتاة، توجه إليه الأستاذ و كم كانت دشهته كبيرة حين رأى تلك الفتاة التي جن عليها، تأتي إلى فصله مرافقة تلميذه سعيد، غير أنه سرعان، ما تدارك ذلك، و تعامل مع الفتاة كأستاذ و ولية أمر ، لا كشاب و فارسة أحلامه.
- الأستاذ: لماذا تأخرت يا سعيد ؟
- سعيد: لقد طلبت مني إحضار ولي أمري !
- الأستاذ: بالفعل، ولكن هذه ليست حجة مقنعة.
- الفتاة: لقد طلب مني مرافقته أمس و أنا التي سببت في تأخره اليوم.
- الأستاذ: لا بأس ! دعني أسألك أولا يا سعيد، لماذا لم تحضر أباك؟
- سعيد: أبي توفي منذ سنوات
شعر الأستاذ بالإحراج، و هو يلقي هذا النوع من الأسئلة، ثم نظر إلى الفتاة نظرة سريعة، ثم قال لسعيد.
- الأستاذ: لا مشكلة، فسواء حضر الأب و الأم، فالأمر سيان.
- سعيد: صحيح يا أستاذي، لكن هاته ليست أمي.
أخفى الأستاذ فرحته، و كم انتظر أن يعرف هاته الحقيقة، بعدما ظن أن تلك الفتاة متزوجة، وأنها أم سعيد، رغم أنه شك في ذلك لأن الفتاة لازالت أصغر من أن تكون أما لطفل في السابعة من عمره، نظر إلى الفتاة ليسألها.
- الأستاذ: من تكونين إذن ؟
- الفتاة: أنا أخته.

- الأستاذ: حسنا، لامشكلة.

- الفتاة: لم طلبتني ؟

- الأستاذ: ماذا ؟

- الفتاة: أعني ماذا تريد قوله لولي أمر سعيد؟

- الأستاذ: لا شيء ...

- الفتاة: و لم استدعيتني إذا ؟

قال الأستاذ في نفسه مستغربا " و كأني أحلم، لا أصدق أني أتحدث معها، ليتني أظفر بفرصة أخرى لأكلمها، ولكن خارج أسوار المؤسسة "

- الأستاذ: آه! نعم، أردت تنبيهك إلى مراقبة دفاتير سعيد، و تساعديه على تنظيمها.

بإشارة من الأستاذ، ذهب سعيد مسرعا نحو مقعده، لتتهاطل عليه الأسئلة من كل صوب " من تلك الفتاة؟ - ولم تكلم أستاذنا؟ " أما الأستاذ فقد واصل حديثه عن الفتاة.

- الأستاذ: ... فهو تلميذ ذكي في الفصل، غير أنه بعض الاحيان يصبح مشاغبا من الدرجة الأولى.

- الفتاة: إنه يزعجني طوال الوقت في المنزل.

- الأستاذ: بل في بعض الأحيان يقوم إلى السبورة من دون أمر مني فيمضي في رسم أشكال هندسية جميلة.

- الفتاة: ألا يخافك ؟!

- الأستاذ: و هل أنا غول ؟

- الفتاة: أقصد، أ لا يخشى من غضبك لأنه لا يحترمك ؟

- الأستاذ: لا، بالعكس، فهو من أكثر التلاميذ احتراما لي.

- الفتاة( مبتسمة ): جيد جدا

- الأستاذ: و أشهد لك أنه سيصبح رساما شهيرا أو مهندسا، فهو يملأ دفاتيره برسومات لأوجه الأطفال، و أشكالا هندسية لمبان، سترين بنفسك ذلك.

نادى الأستاذ سعيدا ثم طلب منه أن يتجه نحو علبة الطباشير و يأخذ واحدا طبشورا كي يرسم شيءا ما على السبورة، قام سعيد، من مكانه تحت تصفيقات التلاميذ و هو يترنح في مشيته، بينما يراقبه الأستاذ و الفتاة و هما يبتسمان لحركاته، اتجه إلى المكتب، ثم حمل بين أصبعيه الصغيتين طبشورا أحمر، و تقدم نجو السبورة، سكت الجميع، و بدأ يحرك الطبشورة الحمراء على السبورة السوداء، فرسم شكل قلب، قم عاد إلى مكانه تاركا الجميع في حيرة، أصيبت الفتاة بالخجل فغادرت بسرعة، بينما توجه الأستاذ نحو مكتبه و طلب من إحدى تلامذته محو السبورة بأكملها، و تابع شرحه لدرس اللغة الفرنسية، إلى أن دق جرس الاستراحة، و هم التلاميذ بالمغادرو، فنادى الأستاذ تلميذه سعيد، إلى مكتبه، وبعدما تأكد من خلو القسم من جميع التلاميذ، بدأ يسأله.

- الأستاذ: من تلك الفتاة ؟

- سعيد: إنها أختي الكبرى !

- الأستاذ: أختك؟!!

- سعيد: لقد أخبرتك بأنها أختي قبل قليل.

- الأستاذ: آه ! نعم ... و لكن لماذا لم تستدعي أمك؟

- سعيد: إنها عاجزة عن الحراك.

- الأستاذ: هل شاركت أمس في بطولة المصارعة الحرة !!

- سعيد: لا، إنها مريضة جدا، و قد لازمت فراشها منذ أسبوع.

- الأستاذ: لا تخف يا بني ! ستتعافى قريبا بحول الله.

- سعيد: أنا لا أخاف يا أستاذي، أنا قوي، و لن لن أخاف يوما ..هععع !!

- الأستاذ: على مهلك يا بني ! لقد أفزعت أستاذك

- سعيد( يبتسم خجلا ) : آآسف

- الأستاذ: هل تهتم بك أختك ؟

- سعيد: إنها جبانة جدا.

- الأستاذ: ماذا !!!

- سعيد: نعم، إنها تخاف من الاشباح.

- الاستاذ: ماذا تقول يا هذا ؟!!

- سعيد: صدقني يا أستاذي، و هي تطلب مني دائما أن أرافقها إلى غرفتها ليلا...

الاستاذ لنفسه" هل يهذي؟ "

- سعيد: ...إنها تخاف كثيرا، و خصوصا بعدما شاهدت الحلقة السادسة من الدراكولا

- الأستاذ: تتحدث عن مسلسل دراكولا.

- سعيد: و من ذكر مسلسلا يا أستاذي؟ ..بل الرسوم المتحركة.

أصيب الأستاذ بذهول كبير و قال محدثا نفسه " يا هولي ! إنها لازالت تشاهد الرسوم المتحركة ! "

- سعيد: ... بل اسألني أنا عن ما إذا كنت أهتم بها ...

- الأستاذ: حسنان و ماذا عن ...

- سعيد ( مقاطعا ) : نسيت أن أخبرك أنها تزعجني دائما، و أنا أنجز تماريني.

- الأستاذ: تزعجك؟

- سعيد: نعم، إنها تسرق قلمي و ترمي به إلى الخارج من النافذة، إنها مجنونة !

- الأستاذ: و لكنها يا عزيزي بدت عاقلة جدا، و هي تتحدث معي قبل قليل.

- سعيد: من ؟

- الاستاذ: أختك، التي تحدثنا عنها.

- سعيد: إني أتحدث عن أختي الصغرة يا أستاذي!

ضحك الأستاذ ضحكة، أزالت خيوط جبينه و أعادت الحاجبين إلأى مكانهما، ثم شكر سعيدا فذهب، وأغلق باب الفصل وراءه متوجها إلى قاعة الأساتذة ليأخذ قسطا من الراحة و يستأنف بعدها حصته الصباحية.

و في اليوم التالي، و كعادته اتجه نحو فصل الدراسة، و أنجز عمله اليومي و قبل دق الجرس بدقائق نادى سعيدا ثم طلب منه أن يحضر ولي أمره، استفسر سعيد عن السبب لكن الاستاذ تجاهله. صباح يوم الثلاثاء تميز بهطول غزير للمطر، و بينما أشرف يمل على تلامذته نص الموضوع، و هو ينظر من فينة لأخرى إلى الخارج عبر النافذة، بينما يكتفي التلاميذ بالاستماع لصوت المطر، و ترك أعينهم منصبة على الورقة تجنبا لأي خطأ قد يؤدي إلى سماع عبارة الأستاذ المرعبة * أين العصى ؟ * و كان كلما زادت قوة المطر، و زادت بهجة التلاميذ معها، فتتحرك قلوبهم الصغيرة داخل الأقفاص ولكن لا أحد يتكلم، لأن الأستاذ يبدو غاضبا اليوم، و فجأة سمع طرق الباب، ثم فتح الباب حيث كان قريبا منه، فوجد تلميذه وائلا و بجانبه رجل يرتدي زيا عصريا أسود اللون، و كأنه أحد موظفي شركة التأمين، و لم تتمكن قطرات المطر من أن تصيب ملابسهما إلا بشكل طفيف جدا.

الأستاذ: مرحبا بكما، يسعدني أن أعرف اسمك أولا، كي أتواصل معك بشكل جيد.

- وائل: اسمه كمال.

- كمال: كيف لي أن أخدمك ؟

- الأستاذ: ابنك لا يهتم بتنظيم دفاتره !

ارتعد وائل ثم بدأ يبتعد شيئا فشيئا عن قبضتي كمال.

- كمال: إنه هكذا دائما، منذ أن كان يدرس في الصف الأول.

- الأستاذ: أ لم تحاول تنبيهه أو تحذيره...أو ما شابه ؟

- كمال: إنه لا يطيعني .

- الأستاذ: إذن فلا بد ...

قطع طرق آخر للباب كلام أشرف، فمد يده إلى المفتاح و أداره، فإذا بسعيد و أخته مبليين كليا، و قد نال منهما المطر جهدهما، طلب منهما الأستاذ الدخول بسرعة، ثوان بعد ذلك حل والد رضى، أحد تلامذيه، و هكذا أصبح القسم كمنتدى لأولياء الأمور، و ملجأ من المطر و البرد القارس خارجا.

- الأستاذ: كمال ! عليك أن تساعد ابنك للتخلص من هذا الاستهتار الكبير. و أنت يا سيدي لقد دعوتك هنا لأخبرك أن رضى لا يكتب دروسه كما يجب.

- والد رضى: أ لهذا فقط دعوتني ؟ و جعلتني أقطع كلمترات مشيا...! أما كان عليك أن تكتب لي رسالة تخبرني فيها بذلك و ترسلها لابني؟ بل ولماذا هذا كله ؟ فما شأني بهذا الصبي ؟ درس أو لم يدرس ! هل سينفعني ؟ ماذا سأستفيد منه غير المشقة و المشاكل حين يكبر؟

غادر القاعة بسرعة غاضبا، ماهي إلا ثوان حتى انفجر التلاميذ ضحكا و جهش رضى بالبكاء ثم غادر القسم ليلحق بأبيه الذي ألحق به العار، ولم يبقى لأشرف سوى كمال، لينفرد بالفتاة.

- الأستاذ: وائل تلميذ ينصت جيدا للكلام، غير أنه لا يتأثر به بسرعة و لهذا يجب أن تبذل مجهودا أكبر لأنه ابنك.

- كمال: ابني؟ ابني! و متى تزوجت لتسميني أبا ؟

- الأستاذ: حسنا، يمكنك المغادرة الآن.

أدار كمال ظهره ثم اتجه نحو الباب حاملا معه ممطريته و هو يلقي بنظرات تحمل رسائل ملغومة إلى أشرف. و بعدما غادر كمال القاعة نهائيا، طلب الأستاذ من تلامذته إنتاج نص حر اعتمادا على نص الموضوع السابق، ثم طلب من الفتاة أن تمكث قليلا معه ليحدثها عن سعيد، كما جاء على لسانه و ما كذبته نواياه.

- الأستاذ: ما بال هؤلاء الناس غاضبين اليوم ؟

- الفتاة: كدت أطرح عليك نفس السؤال.

- الأستاذ: لقد تشاورت مع أخيك سعيد حول موضوع تسجيله في " مدرسة الرسامين الواعدين " و قد أبدى رغبته في ذلك.

- الفتاة: حسنا، و لماذا استدعيتني في هذا الجو الماطر؟

- الأستاذ: لقد أرسلت الدعوة أمس حيث كانت الشمس تحييني من كبد السماء، و تكاد تقليني بحرها، و لم أكن يوما كاهنا لأعلم حال الجو غداته.

- الفتاة: إذن ، أجب على الشطر الأول فقط من سؤالي.

- الأستاذ: لماذا استدعيتني ؟

- الفتاة: أنا ؟ و متى استدعيتك؟

- الأستاذ: لا، أعني تريدين الجواب على سؤالك * لماذا استدعيتني ؟ *

- الفتاة: نعم بالضبط.

- الأستاذ: لأسألك عن سعيد.

- الفتاة: الأمس فقط تحدثنا.

- الأستاذ: نعم، و لكن ماذا فعل الليلة؟ أقصد، هل راجع دروس الرياضيات؟ و هل أنجز تمارين اللغة العربية؟ و كم من الوقت الذي سخره للدراسة؟

- الفتاة: أ تحسبني خادمته لأرقابه طوال اليوم؟ أنا أيضا لدي ما أفعله.

- الأستاذ: و ماذا تفعلين؟

- الفتاة: هذا أمر شخصي، لا يحق لك السؤال عن هذا.

و بدأ صوتها يرتفع شيئا فشيئا، و التلاميذ قد توقفوا عن الكتابة، ليتابعوا العرض.

الأستاذ: آسف جدا يا آنستي، لم أقصد الخوض في أمورك الشخصية.

و فجأة دخل مدير المؤسسة الفصل، ليجد الأستاذ أشرف و بجانبه الفتاة وقد احمر وجهها، و حدث ما لم يتوقعه أحد، لقد صاح أحد التلاميذ من آخر القسم قائلا " الأستاذ يتحرش بتلك الفتاة و هي تصرخ" فصدم أشرف و هو لا يصدق ما يسمع من ذلك، نظر المدير نظرة أخيرة إلى أشرف ثم قال له " أنت مفصول، و سأتولى ملف تنحيتك عن منصبك الشريف شخصيا " فغادرت الفتاة القسم و هي تبكي، بينما بقي أشرف مصعوقا، لأنه يدرك جيدا أن مدير تلك المؤسسة قادر على فصله عن منصبه لأنه أولا يملك نفوذا كبيرا في المدينة، و ثانيا لأن لديه دليلا كبيرا لاختراق الأستاذ.

نادى أشرف سعيدا ثم عانقه و قال له.

- الأستاذ: لقد كنت أحدث أختك عن مستقبلك و عن تسجيلك في مدرسة الرسامين الواعدين، و لا أعرف إن وافقت على ذك أم لا ، لكن أعدك أني سأمكث بجانبك حتى تحقق جميع أحلامك كصديق لك و ليس كاستاذ.

- سعيد: كيف تشعر يا أستاذي و قد كان أحد تلامذتك سببا في طردك.

- الأستاذ: سأبقى أحبه حتى لو فعل ذلك ، لأنه لازال صغيرا.

- سعيد: كم أنت لطيف يا استاذي !

- الأستاذ: و لكن هل لك أن تخبرني من منهم فعل ذلك؟

- سعيد: أخاف يا استاذي ن أكون سببا في نيله للعقاب.

- الأستاذ: لقد وعدتك أني لن أضربه.

- سعيد: أصدقك يا استاذي، إنه الذي يجلس في المقعد الأخير، ذو الشعر الاسود المصفف.

- الأستاذ: وائـــل ؟!

- سعيد: آه ! نعم، هو بالذات.

- الأستاذ: حسنا يا سعيد، كن رجلا ولا تنسى أن تكون مؤدبا مع أستاذك الجديد.

و حين سمع سعيد هاته العبارة سقطت دموع من عينيه مسحها أشرف بكل لطف و هو يبتسم، ثم دق الجرس، و خرج التلاميذ فأخذ أشرف حقيبته و غادر القاعة و هو يلقي نظرة أخيرة على المؤسسة، و ما إن خرج من باب المؤسسة المخصصة للمدرسين حتى وجد الفتاة تنتظره و هي تبكي، تعجب أشرف لرؤيتها على تلك الحال، ولكن حاول تجاهلها، فأتت مسرعة إليه.

- الفتاة: كانت أعصابي منهارة، و لم أكن أتحكم في تصرفاتي، و أنا الآن أحس بالذنب لأنني تسببت في طردك، أرجوك سامحني يا سيدي!

- أشرف: لا تهتمي يا آنستي، فلست المسؤولة أبدا عن طردي، كما تظنين.

- الفتاة: بل أنا المسؤولة، تبا لي ...لم أقصد ذلك !

- أشرف: حسنا...و لم تكبني هكذا ؟

- الفتاة ( و هي تمسح دموعها ) : لأنني سأكون سببا في تعاستك.

- أشرف: سيكون من اللطيف جدا أن تقولي إنك ستكونين سببا في سعادتي...

- الفتاة: أسكت يا هذا..ماذا تقول!

- أشرف: منذ أيام و أنا أهم بأن اقول لك شيئا فأتراجع عن ذلك.

- تنظر إليه نرجس، و قد اختف آخر دمعاتها.

- أشرف: و ها أنا الآن حصلت على الشجاعة الكافية لفعل ذلك.

و ما كاد يحرك شفتيه ليعترف بحبه حتى سمع دوي رعد من المكان و ازدادت قوة المطر، فركضا معا نحو رصيف إحدى المنازل، بعدما شللت الأمطار الحركة في الشوراع، ليجد أشرف فرصة العمر التي لم يحلم بها يوم رآها أول مرة.

- أشرف: هل لك أن تخبريني باسمك؟

- القتاة: و من تكون لأفعل ذلك؟

- أشرف: أنا طائر بلا أجنحة، أنا سمكة تسبح في بحر الحب و لا تذوب، أنا مكتشف قانون جاذبية الفتيات الجميلات مثيلاتك، أنا أمير الحب.

أصيبت الفتاة بالذهول و هي في وضع لم تتصوره يوما، واقفة بمحاذاة شاب لا تعرف حتى اسمه، و هو يغازلها بلطف و هي عاجزة عن الحراك.

- الفتاة: ماذا تريد مني؟ ابتعد عني .

- أشرف: يا من تكونين ! ما أريده منك هو أو هي ابتسامة صافية في وجهي، و إياك أن تجرحي قلبي، فهو الذي أحبك و ليس أنا.

- الفتاة: هل تستغل الوضع يا شقي، إياك و أن تظن أنني فتاة قروية جاهلة، صرخة واحدة هنا تكفي لأن تكلفك حياتك أيها الفريب.

- أشرف: حتى و إن مت فإن صورتك لن تمحوا من ذاكرتي و لن أنسى كل ما تقولينه لي، و سأعتبر ذلك اطراءا.

- الفتاة: لقد تجاوزت حدودك أيها الوغد القدر!

ابتسم أشرف ثم نظر إليها و محا الابستامة سريعا من وجهه، ثم بدأ يبتعد عنها شيئا فشيئا، تحت المطر الغزير تاركا إياها جامدة في مكانها ، و هو في طريقه إلى المنزل لمح مجموعة من الناس و قد تحلقوا حول طفل ممدد على الأرض، دخل بين الحشد فإذا به يكتشف أن الطفل المغمى عليه هو سعيد، بدأ يتلمس وجهه، ثم استشاط غضبا و هو يقول " الطفل يحتضر و أنتم تكتفون بالمشاهدة، و كأنه يمثل في عرض مسرحي ! "

أخذ هاتفه بسعرة ثم اتصل بصديقه، الذي سرعان ما حضر بسيارته ، و نق سعيدا إلى أقرب مستشفى، فظل أشرف و صديقه ينتظران في قاعة الانتظار، منتظرين إطلالة من الطبيب، هذا الأخير جاء مبستما و هو يقول" اطمئنوا، الولد بخير ! " فرح الصديقان، ثم اقترب أشرف من الطبيب سائلا إياه.

- أشرف: متى يمكنني اصطحابه ؟

- الطبيب: لا يمكن أن يغادر المستشفى قبل نصف ساعة من الآن.

- أشرف : حسنا.

- الطبيب: هل أنت والده؟

- أشرف: لا أنا أستاذه.

- الطبيب: أستاذه؟!

- أشرف: السابق ... طبعا !

- الطبيب: حسنا، يمكنكم العودة بعد نصف ساعة لأخذه.

غادر أشرف و صديقه كالان القاعة، ثم اتجها إلى مقهى قريب، لاحتساء القهوة. غادروا المكان، و اتجهوا مجددا نحو المستشفى، لاصطحاب سعيد، و ما إن هما بالخروج حتى وجد أشرف أمامه الطبيب و هو ماد يده طالبا النقود.

- أشرف: وداعا...أنا ممتن جدا لكم !

- الطبيب: أنظر إلى يدي...إنها تريد أن تلمس نقودا ورقية.

- أشرف ( ممازحا ) : إليك هذا الدولار، المسه و أعده لي.

ضحك الطبيب ثم قال له أشرف " كم تريد ؟ "

- الطبيب: مائة و خمسين دولارا.

- أشرف ( مستغربا ) : مائة و خمسين دولارا كاملة ؟ لا هذا غير معقول ! لقد مكث هنا أقل من ساعة فقط.

- الطبيب: أنا لا أطلب منك ما يمليه علي عقلي، إنني أطبق ما أمرت به.

ابتسم أشرف ثم نظر إلى صديقي و قال له " هل لك أن تقرضني مائتي دولار يا صديقي؟ "

- كالان: انت محظوظ جدا يا صاحبي ! إليك إياها، هذا كل ما أملكه.

ثم سلم له الأوراق المالية و أخذ منها خمسين دولارا، و أعطى الباقي للطبيب، ثم غادر المستشفى حاملا سعيد بين ذراعيه، و وضعه في سيارة كالان، و اتجها نحو منزل سعيد بعد أن دلهم سعيد على رقم المنزل، ثم طرقوا الباب، فإذا بالفتاة تفتح لهم الباب، فتفاجأت لما رأت آثار الجرح بادية على وجه أخيها سعيد، فسارعت لأخذه من بين ذراعي أشرف و طلبت منهم الدخول إلى المنلز، و الأم تصيح من غرفتها و هي على السرير " من طرق الباب يا نرجس ؟ "

استضافتهم نرجس و أمرتهم بالجلوس في قاعة الضيوف، ثم اتجهت إلى أمها و هي تحمل أخاها،، ثم بادرت بالقول " لا تخافي يا أمي، إنه بخير " تزعزعت الأم من مكانها و كأنها تريد الوقوف، لكن نرجس أسرعت إليها، و طلبت منها عدم فعل ذلك، و جعلت لسعيد مكانا قرب أنه، فبدأت هاه الاخيرة تلمس وجهها، وهي تسأله " ماذا فعلت بنفسك يا بني ؟ " لكن سعيد يكتفي بالنظر إليها في صمت، عادت الفتاة إلى غرفة الضيوف ثم جلست مع الشاب ناسية إحضار عصير أو ما شابهه.

- نرجس: ما الذي حدث؟

- أشرف: أصابته دراجة نارية حين كان يعبر الطريق.

- نرجس: و من الذي وضع الضمادات على جراحه؟

- أشرف: لقد نقلناه بالسيارة إلى المستشفى.

- نرجس: أعجز عن التعبير لكم عن مدى امتتناني و شكري لكم.

- نرجس: و هل تم إلقاء القبض على سائق دراجة النارية؟

- أشرف: لم أهتم بذلك يا نرجس، فقد كان سعيد في حاجة للإسعاف و لم يكن لدينا وقت كافي لفعل ذلك.

- نرجس: و كيف وجدته ؟

- أشرف: من ؟

- نرجس: أعني، كيف حدث صدفة أن وجدته على الأرض.

- أشرف: لا أدري، غنها صدفة فقط.

- نرجس: و كيف علق الطبيب على صحة أخي؟

- أشرف: قال إن لا شيء يدعوا للقلق.

- نرجس: قــل هذا لأمي بنفسك .

- أشرف: أين هي ؟

- نرجس: إنها في البيت المقابل للبطبخ.

- أشرف: فلتخريها أنت فقط.

نظر كالان إلى ساعة يده، ثم طلب بإشارة من حاجبه الأيمن المغادرة. وصلت الرسالة ثم قام أشرف و صديقه من كانهما في لحظة واحدة، لكن نرجس ألحت عليهم بالجلوس.

- نرجس: لن تغادروا المنزل حتى تنالوا جزاءكم.

تبادل أشرف و كالان نظرات سريعة، ثم همس له قائلا " هل تخطط للنيل منا ؟ "

ابتسمت نرجس بعدما علمت ما يدور في مخليتهم، ثم قالت ضاحكة.

- نرجس: أعني...لن تذهبوا من هنا حتى أرد لكم نقودكم.

- أشرف: أية نقود ؟

- نرجس: أعلم أنكم قد صرفتم مالا كثيرا على سعيد في المستشفى، والآن أخبرني كم ؟

- أشرف: و الله لن أقبل منك دولارا واحدا يا آنستي !

و ما إن أنهى أشرف القسم، حتى تغلغل قلب نرجس، وخفق بشدة، ثم راحت تنظر إلى وجه أشرف تدقق في ملامحه، فأشار كالان مجددا برحكة من يده طالبا من صديقه المغادرة، و الذي استجاب للإشارة فاتجه نحو الباب، بعدما أخذ الإذن منها، أسرع كالان نحو سيارته ليتفقدها بعدما نسي بابها مفتوحا، و ما كاد أشرف يلحق به حتى نادته نرجس، طالبة منه التريث قليلا، إلى أن صارت بجنبه قالت له " لا تنسى زيارتنا غدا "

قفز قلب أشرف فرحا، ولكنه لم يقفز هو! و انشرح صدره، ثم قال موافقا " حسنا " ، أغلقت نرجس الباب بعدما ركب السيارة مع صديقه.

فرحة عارمة تهز كيان أشرف، و هو يستعد للذهاب إلى منزلها، استحم و هو يغني ، ثم مشط شعره، و رش ثيابه بأفضل عطر، ليجد نفسه بعد لحظات و هو في منزل نرجس، و قد أعدت له الشاي و الحلوى، ثم جلسا معا في الغرفة، و لم يمر وقت طويل حتى أخبرته نرجس بسبب دعوتها له. لقد اقترحت عليه القيام بمشروع مشترك من أجل تحسين وضعيهما المادي، و لم تقل ذلك إلا بعدما عرفت أن أشرف شاب مثقف، متمكن، و قادر على إدارة المشاريع، و قد أبدى أشرف إعجابه بالفكرة واعدا إياها بالسير على إنجاحه في القريب العاجل، غير أنه سرعان ما انحرف القطار عن سكته، و بدأت تزحف من بين شفتي نرجس عبارات رومانسية، يعبر من خلالها عن إعجابه بها، و لكن أشرف استعمل هذه المرة أسلوبا سحريا، الشيء الذي جعل نرجس تنصت إليه جيدا، و حينما رأى أشرف أن الأمور تسير على ما يرام قرر أن يطلب منها الصداقة " هل تقبلين بي صديقا ؟ " قالها بكل طلاقة غير آبه ببتبعات السؤال، ابتسمت نرجس ثم قالت له " يؤسفني حقا أن أخبرك أني لا أؤمن بكلمة صديق، لكن اعتبر إجابتي إيجابية " ، و من مثله، حقق حلم صداقة نرجس في أسبوع، من دون أن يضرب لذلك حسابا. و هكذا توالت لقاءاتهم سواء في الشارع أو في منزل نرجس،و في عاشر لقاء بينهما، بعدما كسر أشرف حاجز الارتباك و التردد، قرر و أخيرا أن يطلب يدها للزواج، وقبل أن يفعل ذلك، طلب رأي أمه في ذلك، " منذ أن كنت صغيرا، و أنت تحسن الاختيار و تمييز الزيف عن الحقيقة، و لهذا فلا داعي لأرى فتاتك، أنا وافقت على ذلك " قالت أمه و هي فرحةجدا بتفكير ابنه في الزواج ليأت بعد ذلك دور نرجس و أمه، أبدع أشرف في إقناع نرجس بالزواج منها، ضاغطا بورقة المشروع المشترك، غير أن نرجس تقصمت دور الفتاة، التي لا ينال منها أحد، و التي لا توافق بسرعة، بالرغم من كونها سعيدة جدا لطلب أشرف يد زواجها، أشرف الذي أعجبت به بالقدر الذي أحبها هو، لكن تمثيليتها بدت واهية جدا أمام الإلحاح اللطيف من أشرف، و انتهى الفيلم بإعلان أول أيام الشهر التالي يوم الخطوبة، لعل أمها تكون قد عوفيت لتشارك في الحفل.

في جوف اليل، نافذة مفتوجة، يعبر من خلالها سنا القمر، و يستقر على فراش أشرف الذي لازال صاحيا، ينظر إليه و يستحضر أحداث الشهر، ثم قال لنفسه " فقدت مهنتي و مصدر قوتي، وظفرت بفتاة أحلامي، في ساعة واحدة ! ... آآه !! ...ساعة واحدة غيرت حياتي رأسا على عقب، فهل ساسعد الآن أم أحزن ؟ ... لا، لن أحزن .. لأنه قدري.. و لن أسعد كذلك، لأني لا أعلم ما قد يحصل بعد أسبوع، بل بعد يوم...بل في ساعة واحدة، قد تغير مجرى حياتي ... ما بالي متشائم هكذا ! حسنا، علي أن أكون متفائلا، و أعلم أن حياتي ستصبح جميلة جدا بعدما أتزوج نرجس، و أصبح أبا ..." ابتسم قليلا ثم استأنف حديثه مع نفسه " محظوظ أنا جدا ... و الله محظوظ !! دعتني إلى منزلها .. وافقت على زواجي .. يا ســـــلام !!! كيف سأنتظر كل هاته المدة لتصبح زوجتي .. ؟ " تنهد ثم ارتمى على وسادته متثائبا، لتأحذه موجة سبات لذيذة.

بعدما بانت الشمس في الافق، و زقزقت العصافير التي بنت أعشاشها في كل ركن فاصل بين الجدار و السقف. اتجه أشرف نحو منزل نرجس، و على بعد مترات من باب منزلها، شاهدها و هي تتحدث مع رجل أنيق، فاكتفى بالمراقبة من بعيد، تبتسم تارة، و تضحك تارة أخرى، و هي واضعة يده على رقبة الرجل المنتصب الصنم، مكثرا النظر حوله و كأنه نشال، انتظر أشرف إلى أن رحل الرجل ثم اتجه نحو منزلها، طرق البا، ثم دخل، و جلسا في اقعة الضيوف.

- أشرف: من كان ذاك الرجل ؟

- نرجس: من ؟ أي رجل ؟

- أشرف: ذاك الذي كنت وافقة بجنبه قبل قليل .

- نرجس: مجرد صديق ... صديق قديم.

- أشرف: اعتقدتك لا تعترفين بكلمة " صديق " حسنا لا مشكلة، و ماذا أراد إخبارك ؟

- نرجس: لقد التقيت به صدفة، و أنا عائدة من الدكان، فاضطررت إلى إلقاء التحية عليه.

- أشرف: هل وجدت جميع الدكاكين مغلقة ؟

- نرجس: و لمَ هذا السؤال ؟

- أشرف: لانني لم أرك تحملين شيئا في يديك و أنت تدخلين إلى منزلك !

- نرجس: هل كنت تتجسس علي ؟

- أشرف: هذا أمر ضروري، لأنك زوجتي، أقصد ستصبحين زوجتي.

- نرجس: أعرف ذلك، و لكن هذا يدل على أنك لا تثق بي .

- أشرف: لا يا نرجس، أنا أثق بك، و لكن، ألا تدركين درجة غيرتي عليك ؟

- نرجس: حقا ؟

- أشرف: و لم أردت الزواج بك إذن ؟

- نرجس: آه، جيد ! و لكن أخشى أن أخبرك أني لازلت مترددة في ذلك.

- أشرف: مترددة في ماذا ؟

- نرجس: قد أتراجع عن موافقتي على الزواج بك في أية لحظة.

تزعزع كيان أشرف فاختلطت مشاعره بالحزن و الغضب.

- أشرف: و لكنك وافقت منذ مدة قصيرة على الزواج مني !

نرجس: و ها أنذا الآن اقولها لك " لن أكون زوجة لك "

صعق أشرف بعدما تأكد أن نرجس جادة في ما تقوله، و ذلك من خلال التغير السريع لمزاجها، و النظرة الحادة، و التي سبقها تردد و ارتباك. قال أشرف بنبرة بها مزيج من الرجاء و الأنفة " السعد يقبل على من لا يطلبه " و أضاف " و عدت أمي و سأخلف وعدي لها بسببـــك، أفرحتها و ستحزن اليوم بسببـــك، انصهر قلبي و يتجمد الآن بسببــك، فقدت وظيفتي بسببــك، و خسرت شهرا من حياتي بسببــك، و سأغادر هذا المنلز بسببــك، ولتنامي اليوم بضمير مرتاح " تقدم نحو الباب بخطوات متساعرة، وقبل أن يفتح الباب، نظر نرظة أخيرة إلى وجهها ثم أدار المفتاح، وفتح الباب ليتفاجأ بالرجل و اقفا أمام باب المنزل مباشرة، نظر إليه أشرف ثم هم بالمغادرة، لكن سرعان ما ناداه الرجل، ليقول له ساخرا " لو كنت مكانك لانتحرت " أصر أشرف عل أن لا يجيب و هو في نوبة غضب حادة، ثم تقدم بعض الخطوات مبتعدا عن المنزل فسمع صوت نرجس تقول و هي تضحك " لقد تخلصت منه "،توقف عن المشي ثم نظر إلى الوراء، فإذا به يجد الرجل يكلم نرجس و هما ينظران إليه، اشتد غضب أشرف، و احمر وجهه، وصل إلى منزله ظهرا، وهو منهك، استلقى على سريره، مد يده إلى الرواية العاطفية التي اشتراها ذات يوم، فحملها بين يديه، نظر إليه و كأنك يودعها، ثم بدأ يقطعها إربا إربا.

ها هو ذا أشرف يجلس على إحدى المقاعد في الحديقة العمومية ويدا و هو يقرأ مجلة إخبارية أجنبية، و بينما كان يملأ شبكة الكلمات المتقاطعة وقع منه قلمه على الأرض، فهوى لأخذه فإذا به يرى حذاء من صنف الكعب العالي على القرب منه، فرقع عيناه ببطء نحو الأعلى، فإذا به يرى وجه نرجس و هي واقفة أمامه. تعجب أشرف و ظن أنها قد ندمت على ذلك، و جاءت لتعتذر منه قائلة " أنت هنا ؟ حسنا .. لقد جئت لأعتذر لك عن ما بدر مني أمس، و لكن هذا لا يعني أنني قد تراجعت عن قراري. أظن أنك لم تفهمني بعد، حسنا ... أنا آسفة لأنني لم أرحب بك أمس كضيف " لم يأبه أشرف لكلامها البتة، واصل قرائته للمجلة، و لكن بالرغم من ذلك، أصرت على ترك رسالتها " أرجوك أن تمحوني الآن من ذاكرتك كليا، لأنني أصبحته خطيبته الآن ". و فجأة التحلق الرجل بخطيبته نرجس ليكملا جولتهما، إنه كمال، الذي يبلغ عمره ثلاثين عاما، و هو الأخ الأكبر لوائل، تلميذ أشرف سابقا، ضرب كمال بكفه على رقبة نرجس، و هو ينظر بحقد إلى أشرف الذي يبدوا مركزا على جدا و هو يملأ شبكة الكلمات المتقاطعة، و لا ينظر إلى اين مكان آخر غير صفحة مجلته، ثم اقترب منه كمال و نبهه قائلا " إياك و أن تتجرأ يوما ما فتحدث هاته الفتاة، و اعلم أنك إن فعلت ذلك، فاعتبر نفسك في عداد الموتى " ضحك كمال، و ضحكت معه نرجس، ثم استأنفا تجولهما في الحديقة، و قد استفزت تلك العبارة أشرف، ولكن أصر كجددا على أن يحافظ على هدوئه.

و بمرور الايام، ازداد حقد كمال لأشرف، فما إن يجده بقربه حتى يبدأ بالسخرية منه، و تستتبعه نرجس بضحكاتها، فيخفق قلب أشرف بقوة، و صدى ضحكها يفجر ذاته، و ما من مرة كاد أن يتحول أشرف إلى أسد لا يرحم، لكن قوة صبره، الذي ورثها عن أبيه تحول دون ذلك، صبر على أذى كمال، ومن سخريته، ومن ابتزازات زوجته نرجس، و تكبرها عليه، في الوقت الذي يعاني فيه من مشاكل مادية كبيرة، جراء تراكم الديون عليه، و الارتفاع المهول لأسعار المواد الغذائية، و ذا يوم و هو يسير في شارع المخادعة، فإذا به يلتقي بتلميذه السابق * سعيد * هذا الأخير و بمجرد أن لمح أشرف، أسرع إليه، فحمله أستاذه بين ذراعيه، و هو يحدثه .

- أشرف: لم أعد أراك كثيرا يا سعيد.

- سعيد: و نحن أيضا يا أستاذنا العزيز، اشتقنا إليك كثيرا.

- أشرف: أراك تتحدث بصيغة الجمع !

- سعيد: نعم، فلاتلاميذ دائما يتحدثون عنك، إنهم يحبونك مثلما أحبك أنا.

- أشرف: أصلح بالكم يا أجمل أطفال العالم !

- سعيد: لماذا لم تعد تأتي إلى منزلنا ؟

- أشرف: لا أجد وقتا كافيا لفعل ذلك.

- سعيد: لماذا؟ هل حصلت على عمل آخر ؟

- أشرف: لا، ليس بعد، أريد أن أسألك عن حال أمك التي كانت مريضة...

- سعيد: آه ! نعم، إنها الآن بخير، لقد عادت أمس من المستشفى، بعدما انتهت فترة المقاهة.

- أشرف: بل النقاهة يا سعيد، هذا تنطق نــــون ... قــــاف ... مد ...هـــاء.. ثم تاء مربوطة !

- سعيد: أنا لا أعرف حتى دلالتها، لقد سمعت أختي فقط ترددها. ولكن يا سيدي، يكفي أنك عرفت قصدي .

- أشرف: منذ متى و هي في المستشفى ؟

- سعيد: شهر تقريبا .

- أشرف: شهر كامل ! أ ليس هذا وقتا طويلا ؟

- سعيد: لقد أجريت عليها عملية جراحية على مستوى القالب، و قد حذرها لأطباء من الموت، إن هي رفضت إجراء تلك العملية.

- أشرف: لم يخبروني بذلك ، و لكن كيف استطاعت أسرتك أن توفر مبلغ العملية الجراحية، إنه باهض جدا، مادام متعلقا بالقلب؟

- سعيد: سأخبرك الآن كيف تم ذلك، إن وعدتني أنك لن تخبرهم بأني أنا من أخبرك.

- أشرف: الأصدقاء لا يكذبون على بعضهم البعض.

- سعيد: زوج أختي الكبرى هو من تكلف بدفع تكلفة العملية كاملة، لقد وعدها بذلك قبل أن يتزوجها كما أخبرتنا.

أنصت أشرف جيدا لكلام سعيد، ثم راح يحرك رأسه ببطء، وقال " الآن بدأت أفهم " أخرج أشرف من جيبه حلوى شوكولاطة، و قدمها لسعيد، ثم ودعه مبتسما، و ماهي إلا لحظات حتى ادف في طريقه نرجس، و هي تحمل محفظة جميلة على ذراعها، و ما إن اقتربت منه حتى صارت تغني مستهدفة أشرف بطريقة غير مباشرة " و من يهتـم بك الآن أيها الفقــــــيــ ــ ــر العــــاجز عن شراء علبة .. علبة ... علبة ....شااااااااااااااي " تجاهلها أشرف و من دون أن ينظر و لو بغتة إلى وجهها، لكن عبارتها الساخرة هاته جرحت مشاعره، جروح لا تندمل إلا بعدما يتذكر أن القدر هو القدر، و لا يمكن تغييره، و لم تكن تلك العبارة سوى نقطة بداية لقصته الجديدة مع استفزازات و سخرية هذين الزوجين به، و مازال أشرف محافظا على هدوئه مادام مؤمنا بالحكمة التي تقول " الجريمة تستتبع الثـــأر " لقد فكر أشرف و لأول مرة في الانتقام من هذا الرجل الذي حرمه من فتاة أحلامه، و طارده في كوابيسه ..

و هو ذاهب ذات يوم إلى محطة السيارات، إذا به يجد نفسه راكبا سيارة الأجرة و بجانبه كمال، كمال الذي استغل الفرصة، ليستفز عدوه، و ليهدده مرة أخرى قائلا " اردت اللعب مع الشخص الخطأ يا رجل، و الآن استعد لكثير من المفاجآت الجميلة " لم يكن أشرف ليوفره لولا حياؤه من فعل ذلك أمام مرأى الراكبين، فانتظر إلى أن توقفت سيارة الأجرة، وانتهت معها عبارات كمال الاستفزازية و التهديدية، نزل أشرف من السيارة، و هو في طريقه مشيا على القدمين إلى منزل جده يتأمل في سلوكات كمال و يتساءل " سبحان الله ! ما بال هذا الرجل يكن لي كل هاته الضغينة ؟ و أنا لا أعرفه حتى من يكون ! و هل أخطأت في حقه ليوجه لي كل تلك التهديدات؟ سأصبر الآن ، و إن تجاوز حدوده ... لن أرحمـــه ! "

مر أسبوع و نصف على ذلك، انقطعت تلك التهديدات، و لم يعد يسمع عباراتهم الاستفزازية، و لم يجد تفسيرت لذلك، غير أنه ذات صباح في المدينة شوهد من طرف سعيد، و هو يسير في الشارع، فأسرع إليه بعدما ناداه " أستاذي .. أشرف .. أستاذي ! " و ما ناداه بتلك الطريقة إلا بعدما علم أن ما يريد إخباره لأستاذه ليهمه كثيرا، و بعد أن وصل إليه و قبله .

- أشرف : آه سعيد ، كيف حالك ؟

- سعيد ( متلهثا ) : لست بخير بتاتا يا أستاذي.

- أشرف: ما زلت تناديني بأستاذك !

- سعيد: و سأبقى كذلك ... لقد جئت لأنبهك ... أنت في ورطة !

- أشرف ( مستغربا ) : ماذا ؟! ورطة ؟!!

- سعيد: بينما كنت أمس جالسا أشاهد الرسوم المتحركة على التلفاز، في منزل زوج أختي الكبرى، تعرفه ؟

- أشرف: أجل، أتمم ..

- سعيد: إذا بي أسمع اسمك يتكرر في حديث كمال مع زوجته، وقد سمعته يقول أيضا لأختي نرجس " لقد نظمت الخطة أمس، الآن يجب أن أذهب إلى المصرف لإحضار مالنا " ثم سمعت أختي تسأله " ولكن أين سنضع تلك الاوراق النقدية كلها ؟ " ثما سكتا معا، و ظننت أنهم أنهوا حديثهم، لكن سرعان ما قال كمال " سنضعها قي بيت النوم، تحت السرير " حاولت أن أوهمهم بكوني لا أنصت إلى ما يقولونه، فعملت على أن أبدوا مهتما جدا بمشاهدة التلفاز، فاتعمد الضحك تارة، و أصرخ تارة أخرى، و لكنهم مع ذلك، غيروا المكان فدخلوا إلى غرفتهم، و أغلفوا الباب بإحكام.

- أشرف: و لكن كيف علمت أنهم يخططون ضدي؟ لم تذكر شيءا يدل على ذلك؟

- سعيد: دعني أتمم يا استاذي.

- أشرف: حسنا، أتمم يا عزيزي.

- سعيد: و لما دلفوا إلى البيت، انتفضت من مكاني، و أسرعت إلى الباب، مموقعا أذني قرب فتحة الباب.

- أشرف: آسف لمقاطعتك مرة أخرى! و لكن أ لم أذكر في الدرس الثالث من دروس التربية الاسلامية أن المسلم لا يتجسس ؟

- سعيد: نعم يا أستاذي، و قد قلت أيضا في الحصة الموالية، أن الضرورة تبيح المحظورات.

- أشرف: حسنا أتمم أيها العبقري !

- سعيد: فسمتع كمال يقول " ... الآن ، سأعيد قراءة الخطة، كي نكون على وئام، فلا تتناقض تصريحتنا للشرطة، أبدا بالخطة - أولا سأحضر سبعمائة ألف دولار الآن من المصرف، بعد ذلك ستضعينها حيث اتفقنا، و بعد أن تمر أربعة أيام أو خمسة، سأذهب أنا لإخبار الشرطة عن سرقة لبملغ سبعمائة أف دولار حدثت في منزلنا، و أنك كنت في المنزل يوم سرق المال، حيث هددك اللص بالقتل، بعد أن أخبرك أنه ابن خالي أنا، ثم أخذ المال و خرج، و إذا ما سألتك الشرطة عن المشكوك فيهم، فلا تتردي بإعطائهم صورة ذلك الوغد- " ثم قالت له أختي " و لكن اين لي بصورته ؟ " فصرخ كمال في وجهها قائلا " أتخالين نفسك ذكية؟ " هدأ من روعه، ثم قال مبتسما " لا بد و أنه أعطاك صورة، بل صورا حينما كنتما تتواعدان " هل كنت تواعد أختي حقا ؟

أشرف: أبدا...

- سعيد: ثم قالت أختي بصوت منخفض " حسنا " هذا كل ما سمعته يا أستاذي.

- أشرف: و لكن...لم تجبني بعد عن سؤالي، كيف عرفت أنهم يتحدثون عني؟

- سعيد: لقد كانوا يذكرون اسمك قبل أن يلجوا إلى الغرفة.

ضرب الأستاذ بكفه على رقبة أشرف و ابتسم " سأتولى أمره " هكذا لخص تعليقه، انتاب سعيد شعور كبير بالخوف و قد مزج هذا الشعورمع إحساس بالنخوة و الطيبوبة، لكن ما إن لمس أشرف ذلك الخوف في قلب تلميذه العزيز حتى أسرع يطمئنه و يخبره أن كل شيء سيكون على ما يرام. و أنه لن يخبر كمال أو أخته بأنه قد فضح خطتهم لعدوهم، نظر سعيد إلى عيني أستاذه، فبدا له الأستاذ صادقا جدا، فطمأن قبله بسرعة، وأدرك أنه مهما حصل فإن أستاذه لم يخونه أبدا، ودع الأستاذ ثم راح يشمي بترو على غير عادتهو شعور غريب لا يزال طارده، بينما اسرع الأستاذ إلى منزله، ليدبر خطة للعدة قبل فوات الأوان، لكنه توصل إليها قبل أن يصل إلى منزله، فاستأجر سيارة و اتجه إلىمخفر الشرطة، حيث أخبر عن سرقة حدثت بمنزله، سرقة لمبلغ ثمانئمائة ألف دولار، أخبرهم أيضا أنه رأى السارق، و لم يتوان عن إعطائهم بعض أوصافه، لقد و صف كمال بطريقة حيث لن تجد الشرطة صعوبة في تمييزه بين آلاف الناس، و كما يقال، أن الكاذب البارع هو من يذكر التفاصيل، بالفعل فقد خاض أشرف في ذكرالتفاصيل المملة لعملية السرقة التي اختلق أطوارها " ... و ما إن أدرت مفتاح باب الغرفة قاصدا المطبخ، إذا بي أراه يهرب بسرعة، و قبل أن يخرج نظر إلي نظرة سريعة، على الأقل ليتذكر صورة ضحيته " هذا ما جاء على لسان أشرف و هو يتحدث إلى الشرطة. عاد إلى منزله و هو راض جدا عن مستوى تمثيله.

بعد مرور أربعة أيام، رن هاتف أشرف، فضغط على الزر الأخضر منتظرا سماع صوت المتصل.

- المتصل: آلـــو ! معك ضابط شرطة المدينة .

- أشرف: أنا في الاستماع، هل وجدتم اللص ؟

- ضابط الشرطة : هل أنت الذي أتيت إلى المخفر قبل أربعة أيام، لسرقة مبلغ ثمانمائة ألف دولار من منزلك ؟

أشرف: نعم، سيدي الضابط .

- ضابط الشرطة: أود أن أخبرك أنه قد حدثت عملية سرقة مشابهة لتلك.

- أشرف: تشابه في ماذا ؟

- ضابط الشرطة: هناك تقارب كبير في قيمة المبلغ، فقد سرق منه سبعمائة ألف دولار.

- أشرف: لابد و أن تكون هناك علاقة كبيرة ببين عملتي السرقة هاته، فقد يكون سارق واحد فعل ذلك.

- ضابط الشرطة: و لكن ما أدشهني، هو أن كل مواصفات سارق مالك تنطبق على ضحية عملية السرقة الأخيرة.

- أشرف: عيجب، لكن لابد و أن تجد الشرطة تأويلا لذلك.

- ضابط الشرطة: حسنا، سنحتاج إليك قريبا. سأقطع الاتصال الآن.

انتهى الاتصال، ثم ضحك أشرف بصوت عالي، و اتجه إلى بيته ليشاهد التلفاز. و غادته، و بينما كان يحمل أشرف كسرة خبز في يده، و هم بغمسها في الزيت، حتى رن هاتفه مرة أخرى، إنه نفس الرقم، و نفس المتص، ضابط الشرطة، فرح بهذا الاتصال لأنه يريد إنهاء هاته القضية بسرعة، و بدأ الحوار.

- ضابط الشرطة: أشرف، يرجى منك الالتحاق بمكتبي الآن.

- أشرف: حسنا .. أنا قادم.

أنهى أشرف بسرعة وجبة الفطور، غسل وجهه مجددا، و ارتدى حذاءه، ثم استأجر سيارة إلى المخفر، دلف من الباب الخشبي و سار على الأرضية الملساء، طرق الباب، وبعد أن صرح له بالدخول جلس على الكرسي ليدلوا بدلوه.

- ضابط الشرطة: هل أنت متأكد من أوصاف السارق التي ذكرت إياها لنا ؟

- أشرف: تماما، يا سيدي.

- ضابط الشرطة: حسنا، الآن سأنادي على شخص ثم أكلمه، و أنت حاول تأمل وجهه، إن اكتشفت أنه سارق مالك، أرسل لي إشارة بخنصرك.

- أشرف: حسنا!!

حمل الضابط سماعة الهاتف بين يديه ثم اتصل بالبواب، و امره بإدخال الرجل، فتحت الباب، فإذا بكمال يتقدم ببطء، نحو كرسيه، و قد ناله إحساس بالفرحة و الاستغراب في آن واحد، فرحة لأنه وجد أشرف في مخفر الشرطة و لابد كما يظن أنه قد وضعته الشرطة في دائرة المشكوك فيهم، و استغراب أيضا لسرعة الشرطة في اتهام من كان يخطط ضده ..جلس كمال على الكرسي، و ماهي إلا ثوان حتى بدأ يحرك أشرف خنصره، و قد انتبه الضابط لإشارته، و كي يعطي أشرف لمسة سحرية لقصته الكاذبة، ارأى أن يمثل دور الضحية الغاضب، فقام على الكرسي، ثم اقترب من كمال و صر في وجهه " أنت من سرق مالي من منزلي! نعم ..أنت..اتذكر تلك الخالة على خدك الايسر .. أيها المجرم ! أعد إلي مالي ..! " ينظر إليه كمال، و قد خارت قواه، و فاقت درجة استغرابه من الأمر قدرته على التحمل، انتفض ضابط الشرطة من مكانه و أمر أشرف بأن يأخذ مكانه و حذره من الصراخ مرة أخرى و هو في مكتبه. و لكن ما إن أنهى كلامه، حتى أخذ كمال دوره.

- كمال: يا ضابط الشرطة المحترم ! أجمل لك و لي خبرا سارا، لد وجدت السارق للتو.

- ضابط الشرطة ( مندهشا ) : من ؟؟

- كمال: إنه هذا الشاب، هو الذي سرق مالي.

- ضابط الشرطة: لقد علمت كضابط شرطة عشرين سنة، و لم أصادف حالة كهاته !

- أشرف: يا سيدي ! إنه يتذاكى مع الشرطة.

- كمال: أسكت أيها السارق الحقير، كيف سنح لك ضميرك أن تخدع زوجتي و تقول لها إنك ابن خال زوجها ؟ لتستغل ضعفها و تسرق ما شئت من منزلي !!

- أشرف: هل تحاول تحويل نفسك من سارق إلى ضحية ؟

- ضابط الشرطة: أصمتا !!!

ثم نظر إلى كمال مستعدا لإلقاء أولى أسئلته.

- ضابط الشرطة: من اين حصلت على ذلك المبلغ ؟

- كمال: لقد و فرته منذ مدة من أجل شراء فيلا و سط المدينة.

- ضابط الشرطة: قلت أثناء استجوابك مع الشرطة أنه قد سرق منك كل ما تملك.

- كمال: نعم، لقد سرقت مني سبعمائة ألف دولار، و لم تبقى لدي سوى سيارتي و منزلي و زوجتي العزيزة.

- ضابط الشرطة: و لكن، أ لا ترى أنه من الغريب جدا، أن تفكر في الإتيان بمبلغ كبير كذلك من الأوراق النقدية، و تضعه في منزلك، أ لم يكن حريا بك أن تستعلمه كشيك.

- كمال: لقد اقترحت علي زوجني أن نأخذ المال إلى بيتنا، و نستمتع بالنظر إلى تلك الأوراق المالية، قبل تسليمها لصاحب الفيلا.

- ضابط الشرطة: و قد أردت شراء فيلا.

- كمال: بالضبط يا سيدي، كان حلمي منذ صغري.

- ضابط الشرطة: فسرقوا منك مالك، و لم تعد قادرا على تحقيق حلمك؟

- كمال: لقد فعلوها بنا.

- ضابط الشرطة: المسكين !!!

غير تجاه عينيه صوب أشرف ليلقي عليه بعض الأسئلة كذلك.

ضابط الشرطة: أتحدث مع أشرف الآن، وليس معك، هيا أجبني ...

- أشرف: إن هذا المال، ليس لي لوحدي، إنه مال مشترك بيننا، بين ابن عمي و أنا، و قد استغرقنا في جمع هذا المبلغ عشرين سنة، و كنا ننوي الاستثمار في المجال الفلاحي.

- ضابط الشرطة: و لكن لمَ لم تضعوها في حسابكم البنكي؟

- أشرف: لا نريد التعامل بالربا يا حضرة الضابط.

- ضابط الشرطة: و كأنك لا تسمع عن البنوك الإسلامية، حسنا .. و هل تمكن السارق من سرقة كل مالك؟

- أشرف: نعم، كل شيء !

- ضابط الشرطة: كيف لي أن أتصور شكل ظهر السارق و هو يحمل كيسا مليئا بالنقود، و كيف تحمل كل ذلك الثقل !

- أشرف: اسأله، إنه أمامك !

- ضابط الشرطة: أحب فقط عن أسئلتي !

- أشرف: حاضر!

- ضابط الشرطة: و هل كان ذلك كل ما تملكه ؟

- أشرف: لا، لازلت أحتفظ ببعض الدولارات في جيبي.

- ضابط الشرطة: و هل تعلم أنك في مخفر الشرطة؟

- أشرف: و هل تجاوزت حدودي ؟ أعتذر لك..و لكن أريد أن أسألك أنا أيضا .. هل يحق لي ذلك ؟

- ضابط الشرطة ( مشيرا بأصبعه إلى كمال ) : هل تعرف هذا الرجل ؟

- أشرف: نعم، إنه لص !

- ضابط الشرطة: كيف عن توجيه الاتهامات و إلا سأزج بك في السجن، هيا أجبني، هل بينكما علاقة صداقة قديمة، أو ما شابه ؟

- أشرف: كل ما أعرفه عن هذا الرجل أنه دخل إلى منزلي و سرق مالي ثم هرب.

- كمال ( غاضبا ) : لقد نفذ صبري يا ضابط الشرطة، إنه يتهمني بالسرقة، بينما هو من سرق مالي، إنه يستعمل طريقة اللصوص المحترفين في إبعاد التهم عنهم.

- ضابط الشرطة: سرق مبلغ ثمانمائة ألف دولار من منلزك، و بعد أربعة أيام سرق من منزلك أنت سبعمائة ألف دولار. كل واحد منكم يتهم الآخ، و هذا يعني أنكما ستدخلان السجن معا ..إن لم يعترف أحدكما.

- كمال: سيدي، إن لم تتمكن من كسب اعترافه، لإاظنني قادر على إثباتن تورطه في ذلك، و لدي شاهد، بل شاهدة !

- ضابط الشرطة: تقدم جيد في القضية، حسنا، هل لك أن تطلب منها الحضور إلى هنا ؟

- كمال: نعم، إنها تنتظرني في الخارج، سأتصل بها الآن.

أخذ كمال هاتفه، ثم اتصل بنرجس و طلب منها الدخلو إلى مكتب ضابط الشرطة، و ما إن دخلت حتى تظاهرت بالفزع لرؤيتها أشرف، ثم ابتعدت عنه بسرعة.

- كمال: عزيزتي نرجس، أرجوا أن ...

- ضابط الشرطة ( مقاطعا ) : أنا هنا الآن، لأسألها، تصفلي يا نرجس، أخبريني أولا باسم زوجك.

- نرجس: كمال.

- ضابط الشرطة: أ حقا لم تري اللص الذي سرق المال من منزلك؟

- نرجس ( و هي تنظر إلى زوجها مرتبكة ) : بل رأيته .. بالقرب مني..إنه ذلك الوغد! لقد كذب علي و قال إنه ابن خال زوجي، ثم هددني بعدها بالقتل إن صرخت..

ضحك أشرف بعد سماعه ذلك ثم قال " ممثلة بارعة! "

-ضابط الشرطة: لا مكان للتعليقات هنا يا هذا، لقد أثرت جنوني، أ لا تستطيع التزام الصمت ؟

- أشرف: حسنا ... آســــــف !

- ضابط الشرطة ( و هو ينظر إلى نرجس ) : و ماذا كان يرتدي اللص ؟

تفاجأت نرجس بهذا السؤال الذي لم يكن في الحسبان و الذي لم يدرج في الخطة الاحتياطية.

- نرجس: لا أتذكر جيدا ...

- ضابط الشرطة: و هل تذكرين في أي ساعة طرق اللص بابك ؟

- نرجس: ماذا؟ الساعة ! اه، دعني أتذكر ... نعم، على الساعة الخامسة مساءا.

- أشرف ( ضاحكا ) : الله أكبر ! ما أجملها من كذبة، اسمع يا ضابط الشرطة العزيز، لدي شيء يهمك.

قام أشرف من مكانه، ثم وضع يده في جيبه، بينما تراقبه أعين كمال و نرجس و ضابط الشرطة، و فجأة أخرج ورقة من الجيب، و سلم إياها للضابط، ألقى عليها نظرة، ثم قال لنرجس التي بدأ رجلاها يرتعدان.

- ضابط الشرطة: أنظري إلى هاته الورقة! إنها تذكرة الدخول للسينما، بدأ الفيلم على الساعة الرابعة، و انتهى في السادسة، و قد كان اللص يستمتع بمشاهدة فيلم رومنسي، في الوقت الذي تزعمين أنه كان في بيتكم يسرق المال.

تدخل كمال بسرعة لينقذ نرجس، بل نفسه!

- كمال: ربما نسيت نرجس، الوقت بالتحديد، تحت تأثير الصدمة و الرعب الذي أثاره هذا المجرم.

- ضابط الشرطة: لديك دقيقة واحدة، لتذكر الزمن بالتحديد.

- نرجس: لا أستطيع تذكر زمن وقوع ذلك بالتحديد، ولكن حدث هذا مساءا.

نظر ضابط الشرطة إلى أشرف و قال " ماذا كنت تفعل قبل ذهابك للسينما ؟ "

- أشرف: كنت في المنزل أشاهد مباراة في كرة القدم، مباراة لفريق مدينتا في بطول آسيا للأندية.

- ضابط الشرطة: و اين توجهت حين غادرت قاعة السينما؟

- أشرف: عدت إلى منزلي طبعا !

- ضابط الشرطة: حسنا، لا تريدان الاعتراف، وددت لو أني أنهيت الأمر الآن في مكتبي، مادامت جميع الأطراف حاضرة، و لكن بما أنكما مصران على نكران الحقيقة، فسأقوم بما علي فعله.

- أشرف: هل تأذن لي بالتدخل يا سيدي الضابط ؟

- ضابط الشرطة: هيا، تحدث بسرعة !

- أشرف: أنصت إلى جيدا! و حاول أن تستوعب جيدا ما أود قوله...لقد سرق مبلغ ثمانمائة ألف دولار من منزلي، فأبلغت الشرطة بذلك، و بعدها بأربعة أيام سرق مبلغ سبعمائة ألف دولار.

- ضابط الشرطة: أعرف هذا .

- أشرف: أ ليس هناك احتمال بأن تكون أوراقي المالية نفسها التي سرقت من الشخص الذي سرقني ؟

- كمال ( غاضبا ) : أيها المجنون ! كيف تتجرأ على قول هذا !

- أشرف: و لربما كذبتَ على الشرطة أيضا، لم يسرق منك ذلك المبلغ.

- ضابط الشرطة: و لم قد يفعل ذلك؟

- أشرف: كي يبعد أصابع الاتهام عن اتجاهه، أو لكي يوهمكم بوجود عصابة جديدة تحترف السرقة في المدينة.

ضحك كمال ضحكة جامدة، مشيرا بسبابته إلى أشرف ساخرا من كلامه.

- ضابط الشرطة: و لكن إذا كان الأمر كما تقول، فأين ذهبت المائة ألف دولار؟

- أشرف: ربما يا سيدي قد خزنها عند صديق له، أو اشترى بها شيئا ما .

- كمال: رد لي مالي أيها السارق الذكي، إن تمكنت من تضليل الشرطة، فلا تظن أنك ستنجوا مني.

- نرجس( و هي تنظر إلى كمال متظاهرة بالحزن ) : لا بـأس يا عزيز، إن لم نتمكن من تحقيق حلمنا، ولكن ما أخشاه حقا، هو أن يسرق أحلام الآخرين أيضا.

اسمتع جيدا أشرف إلى كلامها، ثم ثنى سبابته و وضعها على عينه اليمنى كما يفعل الباكي، ثم قال ساخرا " لقد أبكيتني يا صاحبة القلب الطيب، و يا راغبة الخير للناس، لم أعلم أنك موثرة هكذا "

- ضابط الشرطة ( بصوت عالي ) : لقد سئمت من الوضع، هل يملك أحدكم دليلا قاطعا ضد الآخر، أم أنني سأدع الأمر للمحكمة.

- كمال: فليكن ما أردت، أنا مستعد لذلك.

أشرف(و هو ينظر إلى كمال): ها قد تورطت للتو !

أحيلت قضيتهم على المحكمة، التي اتخذت إجراءات قبلية، و كان من بين تلك الإجراءات القيام بعملية تفتيش منزلي أشرف و كمال.

كتيبة متكونة من ست شرطيين داخل منزل أشرف، يبحثون في كل مكان، و بعد ساعتين من البحث لم يتمكنوا من رصد أية ورقة نقدية، ثم غادروا المنزل تاركين الأواني الزجاجية مكسرة و قد و تفتت زجاجها على الأرض، و أوقعوا التلفازعلى الأرض عن غير قصدو لم يعتذروا، هكذا هي الشرطة، قطعوا كل الوسادات،و أم أشرف لا تكاد تحرك ساكنا و هي مستغربة مما يحدث في منزلها، بعد أن خرجوا، طمأن الابن أمه، ثم التحق بسيارة الشرطة المتجهة صوب منزل كمال، فداهمته على حيت غرةن فلم يكن كمال و لا زوجته يعلمان أن ذلك اليوم هو التاريخ الذي قررت الشرطة تفتيش منزله، توزع أفراد الشرطة في كل أرجاء المنزل باحثين عن الأوراق المالية، و أشرف يراقبهم عن كثب و هو عارف مكان تواجد المال، لكن فضل أن لا يخبر الشرطة فتشك في أمره و تفشل خطته، و ها هما شرطيان يتجهان نحو غرفة النوم، حيث كيس المال تحت السرير، يتابع خطواتهما أشرف بعينيه، منتظرا إعلانهم عن غيجادهم لتلك النقود، والتحق بهم بعد ذلك الزوجين كمال و نرجس، ما إن رآهما يقتربان من السرير حتى بدآ يرتعدان،و بينما هم الشرطيان بفتح رف الملابس حتى وصل سعيد، أخ نرجس، وسلم على أخته و زوجها، متجاهلا أشرف، أنهت الشرطة البحث، ثم أغلقت الرف، و ربغة من كمال في لفت انتباه الشرطة خراجا و إخراجهم من الغرفة ، ارتأى أن يقول كمال " و الآن تأكدتم بأنفسكم أن لا مال في منزلي، لقد كان كل ما نملك "

و حين أدرك سعيد أن الشرطة نسيت تماما أن تفتش تحت السرير، علم أن خطة أشرف لن تنجح، فاحتار ماذا يفعل، فهو الشخص الوحيد القادر على إنجاح خطة أشرف، كما أنه الشخص الوحيد القادر على فضح الخطة الشريرة لكمال و أخته. فنظر إلى وجه أشرف،و قد طالته خيبة أمل كبيرة، ثم نظر إلى وجه كمال و هو يخفي مشاعر فرحته، لأنه نجا من أعماله الشريرة، و من دون تردد، قرر سعيد الصغير، أن يفضح أمر كمال، و بحجمه الصغير، مع ابتسامة لطيفة، اسرع إلى كمال ثم تعمد سؤاله بصوت مسموع.

سعيد: هل نسيت أين وضعت مالك يا زوج أختي العزيز؟

كمال ( غاضبا في وجهه ) : هذا الأمر لا يخصك، انت صغير، فلتذهب و تلاعب قطة الجيران خارجا، إنها تنتظرك.

سعيد ( ملحا ) : حسنا يا سيدي، سأذهب !

اتجه نحو الباب بخطى بطيئة، ثم فاجأ الجميع و هو يعود مسرعا، متوغلا بين الحاضرين، متجها صوب السرير، فتمدد بسرعة خاطفة على الأرض، و ماهي إلا ثوان حتى أزاح كيسا من تحت السرير و وضعه خارجا، ثم تظاهر ببحثه عن شيء ما، ثم قام واقفا على قدميه، و نظر إلى عمه و قال " ظننت أني أخفيت دميتي هنا .. تحت السرير " ثم ركض خارجا و هو يقلد صوت القط، سارعت الشرطة إلى تمزيق الكيس الكبير، فغذا بمئات الأوراق النقدية، تسقط على الأرض، و أشرف يضحك بصوت عال، و بشكل هستيري، و كمال يعض على شفتيه بينما جهشت نرجس بالبكاء، بعدما علمت أن ما هو آت لفظيع جدا. و بعدما قامت الشرطة بوضع تقرير شامل عن القضية، حكمت المحكمة على كمال بأداء غرامة مالية قدرها ثمانمئة ألف دولار لفائدة الضحية أشرف، إضافة إلى سجنه لمدة شهر بسبب ذكره لتفاصيل كاذبة.

شهر بعد المحاكمة، بعدما أنهى كمال فترة سجنه، قام ببيع منزله بمبلغ خمسين ألف دولار، و دفعها لأشرف كجزء من الغرامة، بعدما دفع له مسبقا مبلغ سبعمائة ألف دولار، على أنم يدفع المبلغ المتبقي كل شهر،.

تأزمت وضعية كمال المادية، و أصبح أفقر الفقراء في المدينة، بعدما كان من أغنى رجالها، هجرته زوجته نرجس و عادت لتسكن مع أمها في منزلها المتهرئ، أما أشرف، فقد رفض أن يصرف دولارا واحدا من تلك النقود، بل وزع المبلغ على ست جمعيات خيرية بالمدينة، و فضل أن يعيش حياته البسيطة الجميلة مع أمه في المنزل، و كتب رسلة غير موقعة إلى كمال كتب فيها " يصاد من يحسب أنه يصيد "

Continue Reading »