{ عندما يصعب إيجاد النهاية } قصة غير كاملة بقلمي
قصة مشوقة بين شاب وفتاة ، أشرف الذي أتم ربيعه التاسع والعشرين قبل أسبوع و الذي يعمل في معمل تقليدي بمدينة ستراسبورغ ، و طرف العلاقة الآخر نرجس التي تبلغ من العمر 25 سنة ، تسكن مع عمها عبد الله بنفس المدينة ، أشرف الذي تخلى عن دراسته منذ سنوات ، بعدما تم طرده منها بسبب ارتكابه جريمة في حق تلميذ كان يستفزه بذكر أخته كوثر ، تلك الفتاة التي عاشت حياة أشبه بالجحيم ، بسبب إعاقتها الخلقية ، الشيء الذي جعل أشرف يردي التلميذ الاسباني خيسوس
قتيلا ، و قد أثر طرد اشرف من المدرسة الإعدادية على حياته فأصابه حزن وغم شديد ، إلى درجة أن الدنيا أصبحت بالنسبة إليه دار عذاب و عقاب ، و كم مرة حاول الانتحار، لكن خوفه من عقاب الله الشديد يجعله يتراجع عن ذلك ، أما نرجس فهي فتاة جميلة جدا ، و قد لقبها سكان الحي بأميرة الجمال الفرنسي ، نرجس التي وفقت في دراستها و أخذت إجازتها في الطب ، و حصلت على وظيفتها بالمستشفى الرئيسي لمدينة ستراسبورغ ، لكن نرجس ليست أفضل حالا من أشرف ، فقد فقدت أبويها و هي دون العاشرة ، توفي والدا نرجس بسبب صعق كهربائي ، مما دفع بالعم عبد الله إلى إيوائهم في منزله مرغما ، فقد كان تبنيه لنرجس الوحيدة حفظا لسمعته الحسنة و المزيفة أوساط العارفين ، عبد الله كان يعامل نرجس كخادمة له ، كان يضربها باستمرار ، إلى درجة أن في إحدى الليالي تربص بها ليلا و حاول قتلها ، إلى أن الاستيقاظ المفاجئ لنرجس بسبب إحساسها بالبرودة جراء فتح الباب ، جعلها تفشل الخطة اللعينة لعبد الله الذي قال إنه كان هناك فقط بصدد البحث عن نقود له تحت سريرها ، إلا أن جزءا من سكينه وقع تحت ناظري نرجس التي ارتعدت خوفا حين رأت ذلك ، من دون أن تشعر عبد الله أنها قد فعلت .
اشرف و نرجس عشيقين منذ زمن قريب ، تكاد تكون ذكريات أشرف نفسها لنرجس ، التي لم تنعم بحنان الأم ولا بدعابات الأب ، و أشرف الذي عاش حياة الفقر المدقع قبل أن يلتحق بالمعمل .
المشهد الأول
في مصنع نيو شيرت ، يجلس أشرف على مائدة خشبية ، مستريحا بعد اللحظات مستغلا ذهاب رب العمل إلى منزله بعدما تلقى اتصالا مفاجئا من زوجته التي قالت إنها تشكوا من آلام في بطنها . و أمامه مباشرة زميله حسن ابن الكوثري ، الذي التحق بالمصنع مؤخرا قادما من بلاد مصر ، أما جورج البرتغالي فقد تخبط في نوم عميق ، بينما في الورشات الأخرى فالعمال لا زالوا يعملون ، لأنهم لم يدركوا أن ستيفان صاحب المعمل قد ذهب .
حسن : أ تدري ؟ و أنا في الاسكندرية ، كنت اسمع الناس يقولون أن الاوربيين يعملون بجد ، و من دون غش ، كأنهم كلهم أرباب العمل .
أشرف : لم أفهم ...
حسن : أنظر إلى جورج ! أ لا يبدوا ذلك مناقضا جدا لما سمعته ؟
أشرف: بالفعل ، ولكن يا صديقي ، فليس كل ما يقال صحيح
حسن : نعم أشرف .
أشرف : حتى أنا سمعت بعض الإشاعات و أنا بالمغرب ولكن لست متأكدا أنها صحيحة .
حسن : عن العمال الأوربيين ؟
اشرف : لا ، عن المصريين ...
حسن : عن المصريين ؟ !
أشرف : نعم يا ابن الكوثري ، سمعت أن أغلب المصريين أذكياء ، قد تكون إشاعة فقط ، أشعر بذلك )يضحك (
حسن : تشعر بذلك ؟ ماذا لو قلت إن ما سمعته أنت صحيح ، بل الأكثر من ذلك أن المصريين هم الأول عالميا في ...
أشرف : أكل الفول ؟
حسن : مزعج !
حسن : أرجوك يا أشرف ، لم أنت حاقد على المصريين هكذا؟
أشرف : انس الأمر ، ما رأيك أن نزعج جورج قليلا ؟
حسن : لندعه ينام أفضل لنا ؟
أشرف : و هل هذا وقت النوم يا صاح ؟
حسن : يا أشرف ، إن جورج غارق في المشاكل ...
أشرف : مسكين !
حسن : مشاكل حقيقية .
أشرف : و هل تراني أقول إنها وهمية ؟ !!!
حسن : حين أفكر فيها أحس بالضيق .
أشرف : مشاكلي تكفيني يا حسن
حسن : لا يبدوا عليك أنك عانيت يوما ما ، فالابتسامة لا تفارقك .
أشرف : و هذا ما أريده بالضبط .
يستيقظ جورج فجأة ، كأنه المجنون ، فتح عينه اليسرى ونسي اليمنى أو هي نسيت جورج ، يسترخي للحظة على الحائط ممددا رجليه على الأرض ، ويتمتم بكلمات غير مفهومة ، ينظر أشرف و حسن باستغراب إليه ، و فجأة دخل ستيفان بوجه كئيب
حسن : ما بك يا ستيفان ، أقرأ الحزن في كل جزء من وجهك
أشرف : ما بك ؟ أخبرنا ..
ينظر الجميع إليه منتظرين الجواب ، بينما هو يتراجع. نحو الوراء من دون ينطق بكلمة ، و يغادر بسرعة .
أشرف : يبدوا أن مكروها قد حل به
حسن : بزوجته ... أظن
أشرف : ماتت ؟
حسن : و ما أدراني بذلك ؟
أشرف : إني لم أر ستيفان حزين هكذا من قبل
حسن : ولا أنا
جورج ليس بخير هو أيضا ، فقد خرج من المصنع دقائق بعد توجه ستيفان إلى ورشة أخرى ، من دون أن يحدد المكان المقصود و السبب أيضا .
حسن : الأمور لا تبدوا عادية البتة هذا اليوم
أشرف : نعم
حسن )مشيرا إلى مكان ما هناك ( : لاحظ ذلك الشيء هناك ، ترى ماذلك الشيء ؟
أشرف : في ذلك المكان بالتحديد يجلس ستيفان دائما .
حسن : إذن فلن يكون ذلك إلا ملكية له
أشرف : دعني ألقي عليه نظرة
يتجه أشرف نحو عين المكان فإذا به ملف أوراق اثقل من أن يكون مليئا بالأوراق فقط ، من دون أن يتفحصها ، أخذها و أعطاها إلى زميله حسن الذي وضعه تحت منضدة سوداء حيث لا عين تراه .
حسن : أ رأيت ذلك ؟
أشرف : قد تكون ذات أهمية كبيرة لستيفان ، ماذا تقترح ؟
حسن : بخصوص ماذا ؟
أشرف : هل سنسلم إياها الان أم ننتظر حتى مجيئه ؟
حسن : الأفضل أن نطلع عليها
أشرف : هل أنت غبي أم ماذا ؟
حسن : لا تنسى أن الأعور ملك في أرض العميان
أشرف : أنا لن اشاركك في ذلك .
حسن : سأفعلها بالتأكيد
أشرف : ماذا ستفعل ؟
حسن : سأرى ما بالملف من أوراق فقد نصبح أعضاءا في جريمة محتملة .
أشرف : كلامك مبهم و غامض جدا هذا اليوم ، اشرح لي ماذا هناك ؟
حسن : يا عديم المخيخ ! ألا تذكر أن بصماتنا الوسيمة مرسومة بخط جميل على ذلك الملف.
أشرف : صحيح !
حسن : إذن ؟
أشرف : افتحه
جلس أشرف قرب حسن وبدا بتفحص الأوراق ، بدقة متناهية، ناسين أن في كل لحظة هناك احتمال بدخول مباغت من طرف ستيفان ، لكن سرعان ما جمعوا الوثائق و الأوراق و وضعوها داخل الملف الأحمر
أشرف : هل استوعبت شيئا ؟
حسن : نعم
أشرف : و ماذا استنتجت ؟
حسن : أننا حقا أغبياء .
يضحكان ، ثم يدخل جورج من الباب ، و هو مرهق، حاملا في يده اليسرى سكينا حاد النصل و قد تلون اخره بلون الدم . فتراجع حسن إلى الوراء خطوات متخوفا من أي هجوم محتمل بالسكين ، بينما أشرف يحاول سؤال جورج عن المشكلة ، يبدوا جورج غاضبا جدا ، تظهر على محياه بوادر الانتقام ، فيبدأ بالاقتراب من أشرف ، و فجأة وضع جورج سكينه على عنق اشرف صارخا .
جورج : أي وغد سرق ملفي ... ؟ أريد ملفي الان ! أريده الان ... و إلا ... !!!
حسن : ما بك يا جورج ، هدئ من روعك فألامر لا يستحق كل هذا
جورج : أعطوني ملفي و إلا ساقتل هذا الوغد !
حسن : و ما أدراك أننا نحتفظ بملفك ؟
أشرف : نعم ... أجبه !
جورج : اسكت يا راعي البقر و إلا أعدتك إلى أمك قطع لحم .حسن : أرجوك يا جورج ، قلنا ، كيف عرفت أن الملف هنا؟
جورج : لا أريد التكلم كثيرا ، اليوم تذكرت متى فقدت الملف و كيف حدث ذلك ... و أنتم من سرق ملفي .
أشرف : صدقنا يا جورج نحن لم نر أي ملف هنا .
حسن : نعم يا صديقي جورج ! نعم !
جورج: لست صديق أحد ، أريد ملفي الان .
حسن : إذن ، دعنا نساعدك على إيجاده .
جورج : أحس أن أحدا ما فيكم قد وجد ملفي هنا و أخفاه عني ، لأني فتشت في كل مكان هنا ولم أجده وأنا جد متيقن من أن الملف كان هناك .
أشرف : إذن اذهب و ابحث هناك
جورج : ايها الأصم ! أ لم تسمعني أقول أني بحثت في كل مكان .
حسن : أرجوك يا جورج تمالك نفسك ، ارم السكين بعيدا .
جورج : ليس قبل أن أجد ملفي
حسن : و ما بذلك الملف ؟
جورج : حياتي
أشرف )مبتسما ( : لا أتصور كيف ستكون هاته الحياة التي توضع بين ورقتين .
جورج : ماذا قلت ايها الغبي ؟
أشرف : لا شيء ، فقط كنت أحدث حياتي عن ما إذا كانت تريد ان اضعها هي ايضا في ملف ، و أشهر السكين في أعناق الناس ليعيدوها لي .
جورج : أنت تستفزني !
أشرف : و أي استفزاز أشد من وضع السكين على عنق أحدهم ، و تأمره بإعادة حياته له !!!
حسن : أضحكتني يا أشرف .
و في هاته اللحظات يدخل ستيفان وتصيبه الدهشة من ذلك المنظر حيث سكين أحد عماله على عنق عامله الاخر ، ليسألهم فيما بعد عن الوضع ، إلا أن الكل التزم الصمت ، صمت كسره صراخ جورج في وجه مديره ، صراخ لم يتلقه المدير حتى من أبيه جيوفاني .
جورج : اجلس هناك و إلا غرست هذا السكين في بطنك ، حركة قد تودي بحياتك.
ستيفان : ماذا أصاب الرجل ؟ هل جننت يا هذا ؟
جورج : أقسم أني إن لم أجد ملفي هذا اليوم فقد أرمل أطفالكم
حسن : هل أنت متزوج يا أشرف
أشرف : ليس بعد ، وسأنتظر حتى ممات هذا الوحش
جورج : هل تختبر صبري يا راعي البقر ؟
و بينما الكل على هذا الحال ، إذا بستيفان يخرج هاتفه و يهدد جورج بدعوة الشرطة إليه ، و بمجرد سماع جورج بكلمة الشرطة ارتعدت اطرافه ، و لكن كي يخفي هلعه ، قال مستهزئا .
جورج : الشرطة ؟ يا سلام ! لأول مرة في حياتي أرى مديرا يلبي طلبات عامله قبل أن يسمعها منه
ستيفان : إذن لا مشكلة لديك في ذلك !
جورج : في الحقيقة ... لو ... من الأفضل ... انتظر ...ســ....
و بسرعة خاطفة تخلص اشرف من قبضة جورج و ما كاد يهديه لكمة على وجهه حتى اتجه نحو ستيفان الذي كان يركب رقم الهاتف فرمى جورج هاتفه من النافذة ، و غرز سكينه في بطن ستيفان الذي لفظ اخر أنفاسه داخل مصنعه ، فسمع العمال بالورشات الأخرى هذا الضوضاء ليتجهوا بسرعة و بأعدادهم الغفيرة إلى عين المكان ، وصدموا برؤيتهم ستيفان وهويحتضر ، و ألقوا القبض على جورج الذي أصبح في يد الشرطة دقائق بعد الحادث ، وقد هدد حسن وأشرف بحياة سوداء تنتظرهم في المنعطف قبل أن تضعه الشرطة في السيارة بعنف .
حسن : هل تصدق ما حدث ؟
أشرف : يا الهي ! ماذا حدث ؟
حسن : جريمة حدثت ، و نفس رحلت ، و عيون استغربت ، و قلوب خفقت ، و أخرى كسرت .
أشرف : كل هذا عن محفظة لعينة ؟
حسن : لو كنت تعرف ما بالمحفظة لما قلت هذا !
أشرف : ماذا تعني بكلامك هذا ؟
حسن : لا ... لاشيء ...
ينادي عامل من عماله ، يبدوا رجلا ستينيا ، وهو يحمل مقصا في يديه يحركه بشكل متتالي .
العامل 1 : هل هذا وقت الكلام يا سادة ؟
أشرف : سيدي ، نريد إخبار زوجته بهذا و لا ندري كيف .
العامل 2 : سأخبرها أنا .
حسن : أنت ؟ و من أنت ؟
العامل 2 : عامل من عماله ، و سأتكلف بهذه المهمة .
العامل 1 : حسنا ، ولكن احرص على أن لا تكون الصدمة قاتلة .
العامل 1 : لا تخف يا أخي .
أشرف : أراك صامتا ، ترى ما بك ؟
حسن : أفكر في شيء مهم جدا .
أشرف : ما هو ؟
حسن : أفكر في مستقبل هذا المصنع .
أشرف : لا تفكر في هذا أبدا مادمت عاملا فقط لا أكثر .
حسن : ماذا تقصد ؟
أشرف : قصدي واضح جدا .
صمت كبير لف المكان ، لعدة ثواني .
العامل 2 : الان ، سأنجز مهمتي
حسن : و ماذا تنتظر ! اذهب بسرعة ، دقائق وسنكون معك هناك .
أشرف : لماذا يا حسن ؟
حسن : لنسلم مفاتيح المصنع لها .
أشرف : لا ليس لها بل لأولادها .
العامل 1 : و لكن مالعمل مع هؤلاء العمال الذين ينتظرون مستحقاتهم المادية لهذا الشهر ؟
أشرف : حقيقة ، هذا مشكل آخر يؤرق حالنا .
حسن : أنا ذاهب ؟
اشرف : أين ؟
حسن : مشغول جدا .
أشرف : هل أنت صاح ؟ هل يوجد شغل أكبر من هذا؟
حسن : قلت لك إني ذاهب ، و لا أحد يستطيع منعي .
أشرف : أنا استطيع
حسن : و هل لك علي سلطة ؟
العامل 1 : حسن ! لن اسمح لك انا أيضا بالذهاب ، و أرى أن قواك لا تسمح بمواجهة شخصين .
أشرف : كلام معقول .
حسن : اخرس يا عجوز !
أشرف : قد تفقد عينيك في أي لحظة يا حسن ، لذا عليك أن تلتزم الصمت و تحترم من هم أكبر منك سنا .
العامل 1 : لن أجادل أحمقا ، فقد يخطئ الناس في التمييز بيننا
أشرف : أ هذا ما تريد سماعه يا حسن ؟
حسن : أغبياء !
تدخل سيارة الاسعاف لنقل جثة ستيفان إلى مستودع الأموات، فيما يكتفي الجميع بالنظر إليه ، و الدموع تترقرق في أعينهم. الكل حزن على رحيله ، فقد كان إنسانا طيبا جدا ، وبعد لحظات أخذ اشرف مفاتيح المعمل بعدما أخذ الاذن من الشرطة وأمر الجميع بالذهاب ، باستثناء حسن الذي منعه من ذلك لضرورة أمنية .
أشرف : حسن ، أريد أن أكلمك يا حسن .
حسن : فقط لا تسألني عن المحفظة .
أشرف : لقد بدأت شكوكي تزداد فيك يا حسن . أخبرني ما هاته العلاقة المتينة التي تربطك به ؟
حسن : ليست هناك علاقات ، أنت رأيت ما بداخله ، فلم الشك؟
أشرف : إذن فأخبرني لماذا جورج فعل كل ذلك من أجلها .
حسن : لا أعرف
أشرف : لا تعرف ! حسنا ... جميل جدا ... لا تعرف !
حسن : ما بك ؟
أشرف : و لم جعلتني أكذب على جورج ، و أقول أننا لم نر أي ملف .
حسن : أنا جعلتك تكذب ؟ أجهل إن كنت قد فعلت هذا حقا !
أشرف : و لماذا كذبت ؟
حسن : أرجوك دعني أذهب يا أشرف ، صدقني فابني مريض جدا ، وعلي أن أكون بجانبه
أشرف : قد تكون أمه بجانبه ، حنانها يكفيه
حسن : ولكن الابن في حاجة إلي ، أ لست أباه ؟
يدخل العامل 2 .
اشرف : كيف جرت الأمور
العامل 2 : لم اخبرها ، إنها فاقدة الوعي الان ، فقد اخبرني الطبيب أن حالتها الصحية مزرية ، و قد تفارق الحياة في أي لحظة .
أشرف : يا الهي ! ما هاته المصائب ! واحدة تلو الأخرى ،
سكت الجميع ، حسن ينظر إلى الساعة بشكل هستيري ن يحاول أن يقول شيئا فيتراجع . دقائق معدودة تكلم اشرف .
أشرف : بما أن زوجة استيفان فاقدة الوعي الان ، فعلينا أن نسلم هاته المفاتيح لأولاده .
حسن : لقد سبق أن قلت هذا ، و لكن هل تعرف أولاده ؟
أشرف : سنسأل في المستشفى عن عائلته .
حسن : هيا بنا إذن .
أشرف : متحمس ؟ !!!
حسن : إلى ماذا ؟
أشرف : لا أدري ، أراك لم تعد راغبا في الذهاب إلى ابنك المريض .
حسن : تمنيت ذلك
أشرف : إذن ، اذهب ولكن سأتصل بك قريبا ، فلا تطفئ هاتفك .
توجه حسن إلى تحت المنضدة ، و أخذ بين يديه ذلك الملف ، و نظرات أشرف إليه كانت تقلقه ، وما إن اقترب من الباب حتى ناداه أشرف
أشرف : دع الملف هنا ، واذهب إلى ابنك المريض .
حسن : أنا وجدت الملف و سأتركه معي حتى أجد مالكه .
أشرف : لن تجده بهاته الطريقة ، دعني أتولى المهمة ، فأنا أعرف كيف يتم إيجاد هؤلاء الناس .
حسن : يا أشرف لم أنت دائما تريد عكس ما أريد .
أشرف : عنيد بالفطرة
حسن : إذن سأبقى هنا معك حتى نجده .
أشرف : أنا لن أبقى هنا ، قلت لك إني سأذهب إلى المستشفى.
حسن : نسيت ! ولكن أين سنخبئه ؟
أشرف: سأحمله معي .
حسن : غير عادل !
أشرف : الملف سيبقى معي ! مفهوم ؟
حسن : لا .
أشرف : ستفهم إذن فيما بعد .
حسن : افهمني فقط يا صديقي أشرف ، فهذا الملف مهم جدا بالنسبة لي .
أشرف : مهم جدا ؟ إذن سيكون في مأمن عن الكل ، ستجده في مخفر الشرطة إن أردته أطلبه منهم ، فهم لن يتخلوا عنه .
حسن : لم تتحددث باستمرار عن الشرطة ؟
أشرف : و لم تخاف منهم هكذا ؟
حسن : أنا ... أنا لا أخاف من الشرطة.
أشرف : ماذا تريد الان ، لم تقف أمامي ؟
حسن : أعطني هذا الملف أعدك أني سأعيده إليك حينما تعود.
أشرف : قلت لك لا ، إن كررت ذلك سأقتلك .
المشهد الثاني
في المستشفى الفرنسي حيث تعمل نرجس ، يدخل أشرف و في يده الملف ، و يتوجه نحو مكتب مدير المستشفى ، من أجل لقائه ، و السؤال عن حال زوجة ستيفان ، ولكن ألخاندرو مدير المستشفى الذي يقال أنه من أصول مكسيكية ، لم يكن في مكتبه في تلك اللحظة ، مما جعل أشرف يبحث عن مسؤول ليتجه به إلى الغرفة حيث تعالج زوجة ستيفان ، و أثناء سيره داخل المستشفى ، لمح فتاة جميلة جدا لابسة زي عملها الأبيض ، امتنع أشرف عن السير ، و وقف ينتظر وصولها إليه ، فسألها عن زوجة ستيفان ، و ما كانت تلك الفتاة إلا نرجس التي أعجب بها أشرف من النظرة الأولى.
أشرف : سيدتي ، من فضلك .
تلتفت إليه نرجس لفتة ساحرة ، مولية اهتمامها له ، وشعرها الأسود الحريري يغطي جزءا من عينها اليمنى .
نرجس : نعم أخي ، هل من خدمة ؟
أشرف : أبحث عن زوجة ستيفان ، علمت أنها تعالج هنا في هذا المستشفى ، فارتأيت أن أسأل عنها .
نرجس : نعم إنها في الغرفة السابعة بالطابق الثاني .
أشرف : شكرا جزيلا أختي ، لقد أسديت خدمة كبيرة لي .
نرجس : هذا واجبي ... مهلا أخي ! ملامحك توحي بأنك عربي ، هل أنت من لبنان ؟
أشرف : لا أختي ، أنا من شمال المغرب ، وقد هاجرت إلى هنا منذ 15 سنة . و أنت أيضا لا تبدين فرنسية البتة !
نرجس : و لست كذلك ، أنا أيضا عربية ، و بالتحديد من مدينة بيروت اللبنانية .
أشرف : ظننت هذا ... تسمحين ؟
نرجس : ماذا ؟
أشرف : علي أن أزور زوجة ستيفان الان .
نرجس : اسفة أني أخرتك ، هل لي أن أعرف من هو ستيفان؟
أشرف : مدير مصنع نيوشيرت المشهور ، الرجل الذي قتل صباح اليوم على إثر طعنة قاتلة من سكين عامله .
نرجس : يا رب ! لقد أصبحت ستراسبورغ مدينة الجرائم بامتياز ، لن أجعلك تتأخر أكثر .
أشرف : وداعا .
يصعد أشرف إلى الطابق الثاني ، ويتوجه مباشرة إلى الطابق السابع ، حيث يقف في الباب طبيبان يتجادلان بصوت عال ، يقترب منهم أكثر ، ويلقي عليهم التحية .
أشرف : مرحبا !
الطبيب 1 : أهلا بك ... هل لي أن أعرف من أنت ؟
أشرف : أنا أشرف عامل من عمال مصنع نيوشيرت ، الصديق المقرب لستيفان صاحب هذا المصنع .
الطبيب 1 : سعدت بمعرفتك .
الطبيب2 : هل لنا أن نساعدك ؟
أشرف : أريد أن أرى زوجة ستيفان ، هل يجوز لي ذلك ؟
الطبيب 1 : لا يمكننا أن نسمح لك بذلك .
أشرف : ولماذ يا سيدي ؟
الطبيب 2 : لا نسمح بدخول الغرباء إلى الغرفة .
أشرف : قلت لك إني صديق ستيفان
الطبيب 2: و ما أدرانا بذلك ؟
أشرف : يا الهي ! كيف لي أن أجعلهم يسمحون لي بالولوج إلى الغرفة !!!
الطبيب 1 : ما ذلك الملف الذي بيدك ؟
أشرف : لا شيء مثير للاهتمام فيه يا طبيب .
ينظران إلى الملف للحظة ثم يواصللان جدالهما .
الطبيب 2 : قلت لك إن رونالدو هو من سجل الهدف الرابع لفرنسا .
الطبيب 1 : في مباراة نهائي 98 ؟ لا تفكر في ذلك أبدا !
الطبيب 2 : لم أنت عنيد هكذا ؟ أنا من شاهد تلك المباراة يا غبي !
الطبيب 1: حسنا لنسأل هذا الرجل،،، أشرف ! أخبرنا مالذي سجل الهدف الرابع للمنتخب الفرنسي في نهائي كاس العالم ضد المنتخب البرازيلي ؟
أشرف : هل أنتما فرنسيان ؟
الطبيب 2 : نعم ، و مالعلاقة ؟
أشرف : غريب ! أنتما فرنسيان ولا تعرفان أن المنتخب الفرنسي فاز على البرازيل حينها بثلاثة أهداف فقط لصفر .
الطبيب 2 : صحيح ؟
الطبيب 1 : ربما
يعود اشرف خائب الأمل ، من حيث أتى ، يمشي في المستشفى بخطى متثاقلة ، و من حين لاخر ترتسم ابتسامة سريعة تترجم ما يحدث به اشرف نفسه بصوت خافت .
طبيبان يتجادلان في أتفه المواضيع وسط مستشفى مركزي ! مليء بمرضى في أمس الحاجة لمن يقف بجانبهم . و يعززون سلوكهم الوقح بمنع الأقرباء من الدخول إليهم . يواصل أشرف سيرى البطيء نحو باب المستشفى ، و قبل وصوله إليه ، سمع صوتا جميلا يناديه .
نرجس : يا مغربي
التفت أشرف بسرعة و رأى نرجس تركض وراءه تحاول إيقافه ، وأخيرا وصلت إليه . فتقول له و البسمة تعلوا وجهها.
نرجس : أ لم تسمعني أناديك ؟
ينظر اشرف إلى عيناها نظرة حزينة ، فيلزمه الصمت ، و سرعان ما تغيرت ملامح نرجس ، فبدت حزينة لرؤيته كذلك.
نرجس : ما بك أخبرني ؟
أشرف : مسؤوليات كبيرة على عاتقي أحملها ، و لم أكن أعرف ذلك حتى الان، قبل أيام كنت أقول لنفسي الحمد لله ت تخصلت من المشاكل أخيرا ، بعدما بدأت أعمل في المصنع ، حيث حققت الاكتفاء المادي الذاتي ، فأصبحت سعيدا جدا ، ولكن سرعان ما تغير كل شيء ، فكلفني القدر مهمات لا أقدر على تنفيذها .
نرجس : كلامك غامض يا هذا .
أشرف : لكل كلمة أذن , ولعل أذنك ليست لكلماتي , فلا تتهميني بالغموض.
نرجس : بماذا يمكنني مساعدتك ؟
أشرف : اجعلني أزور زوجة ستيفان .
نرجس : أ هذا كل شيء ؟
أشرف : كل شيء .
نرجس : هيا بنا إذن .
يسيران جنبا إلى جنب متوجهين نحو الغرفة السابعة ، و في نفس الوقت يحدثون بعضهم بعضا .
نرجس : لم تخبرني باسمك بعد !
أشرف : اسمي أشرف ، دعني أحزر ما اسمك .
نرجس : ثلاث فرص ، إذا نجحت ستدين لي بهدية .
أشرف : نادية ؟
نرجس : بقيت اثنتين .
أشرف : أميمة ؟
نرجس: لم لا تقول نرجس ؟
أشرف : هذا ليس عدلا ! وعدتني بثلاث فرص و أنا أهدرت فقط فرصتين وبقيت واحدة !
نرجس : ستبقى مدينا لي بهدية .
أشرف : يسعدني ذلك .
نرجس : هل أنت متزوج ؟
أشرف : ليس بعد .
نرجس : و لماذا تأخرت في ذلك ؟
أشرف : الفشل في التخطيط ...
نرجس : يقود إلى التخطيط للفشل.
أشرف : عظيمة !
نرجس : من العظماء من يشعر المرء بحضرته أنه صغير
ولكن العظيم بحق هو من يُشعر الجميع في حضرته بأنهم عظماء .
و أخيرا وصلا إلى الغرفة رقم 7 ، فلم يجدا هناك الطبيبان اللذان كانا هناك قبل لحظات . ففتحت نرجس الباب و دخلا ، زوجة ستيفان المسكينة لا زالت في سريرها تعاني ، فاقدة الوعي ، لا تدري ما يجري في هذا العالم .
نرجس : لو أني لم ألمس فيك قلبا طيبا لما تركتك تدخل إلى هاته الغرفة .
أشرف : أشكرك .
نرجس : أتصور كيف ستواجه هاته المرأة الصدمة حين تعرف أن زوجها قد فارق الحياة.
أشرف : من يتولى عنايتها الان ؟
نرجس : لا أدري . تريد الحديث معها فقط لتخبرها عن وفاة زوجها ؟
أشرف : لا ، أنا أريد أن أسلمها مفاتيح المعمل ، كي أتخلص من هاته المسؤولية الكبيرة الملقاة على عاتقي .
نرجس : على ما يبدوا فإنه عليك أن تحتفظ به . فأنت ترى حالها ، أو يمكنك تسليمه للشرطة .
أشرف : ذلك ما سأفعله .
نرجس : أو من الأفضل اتركه عندي سيكون في مأمن في منزلي .
أشرف : لا يمكنني ذلك.
نرجس : لا تثق بي ؟
أشرف : الأمر أشبه بالمغامرة .
نرجس : إذن افعل ما يمليه عليك عقلك.
أشرف : الان سأرحل ، و قد أعود غدا .
نرجس : ما ذاك الملف الذي بيدك يا أشرف ؟
أشرف : في الحقيقة هاته مسؤولية أخرى أكبر من السابقة .
نرجس: حياتك تثير فضولي ، أرى أنها مليئة بالمشاكل والمسؤوليات ، لذا أردت أن أقاسمك إياها .
أشرف : لا أسمح بذلك ، ولكن سنلتقي فيما بعد .
ما كاد اشرف يضعه رجله خارج الغرفة ، حتى دخل حسن متنفسا الصعداء .
حسن : الحمد لله أني وجدتك أخيرا .
أشرف : و هل كنت تبحث عني ؟
حسن : منذ أن فارقتك .
اشرف : حسنا ! ولماذا ؟
حسن : أريد أن أطمئن على حالك و أعرف جديد قضية المعمل ، ولمن سلمت المفاتيح .
أشرف : إذا كنت تريد حقا الاطمئنان علي فأنا بخير و الحمد لله ، و أشكرك على هذا الاهتمام الغير المعهود ، أما المفاتيح فإنها لا تزال في جيبي و أنتظر هاته المرأة المسكينة حين تستيقظ كي أسلمها إياها .
بدل أن ينظر حسن إلى زوجة ستيفان التي في السرير ، ينظر إلى نرجس التي تنتعل حذاء بالكعب العالي يجعلها تبدوا طويلة و جذابة مع زيها الأبيض اليقق ، و يقول ساخرا .
حسن : هل الفتيات الجميلات ينمن و هن واقفات ؟
أشرف : أيها الغبي ! أنا أتحدث عن زوجة ستيفان و ليس عن تلك الفتاة .
يقترب حسن من أذن اشرف و يقول له بصوت غير خافت جدا ، ونرجس تنظر إليه باستغراب .
حسن : هل أعجبتك هاته الفتاة ؟
أشرف : لماذا ؟ هل أعجبتك ؟
حسن : من ؟
يجيبه اشرف رافعا صوته .
أشرف : الصفعة التي أهديتك إياها ذات يوم حين أردت أن تتذاكى معي ! أرى أنك كذلك .
حسن : أشرف دعني أحترمك ، و لا تستغل احترامي لك من أجل أن تخلف هيبة لنفسك و أنت لا تملكها .
أشرف : ماذا أيها الوغد ؟
تدخلت الطبيبة نرجس ، تحاول فض النزاع
نرجس : هذا ليس المكان المناسب للنزاع يا رجال ، هذا مستشفى محترم ، نعالج هنا المرضى الذين هم في أمس الحاجة إلى الراحة والهدوء ، إذا أردتم أن تستمروا على حالكم ، فالأفضل لكم أن تفعلوا ذلك وأنتم في الخارج .
لم يعر أشرف و حسن أي اهتمام لكلام نرجس و واصلوا جدالهما .
أشرف : هل تختبر صبري يا حسن ؟
حسن : منذ مدة لاحظت أنك تحقد علي كثيرا ، و قد التزمت الصبر لحين تكف عن ذلك ، وتحس بغلطتك ، إلا أن صبري لم يؤتي أكله ، بل جعل الأمر يسوء لحد أني فقدت شخصيتي، ولذا فإني أريد اليوم أن أفضي حساباتي معك .
أشرف : حقا ؟
من دون أن تترك نرجس أي مجال لإضافة أي كلمة ، تنادي الحرس الأمني الخاص بالمستشفى الذي وصل بسرعة لعين المكان ، و قيدوا أشرف و حسن من اليدين قبل وضعهما في سيارة الشرطة . بينما تتابع نرجس ما يجري و هي تنظر إلى أشرف و هو غاضب جدا . جلست نرجس في نفس الغرفة شاردة الدهن تستحضر أحداث ليلة الرعب التي عاشتها في منزل عمها . فبدأت قطرات دموع تسيل و تسير ببطء على خديها تلامسها بحنان . لترفع أصبعها محاولة مسح تلك الدموع الحزينة . و سرعان ما التفتت إلى جانبها فإذا بملف أشرف على الطاولة ، مدت نرجس يدها نحوه و حملته باحتراس ، فقررت أن تلقي نظرة على محتواه . فأخذت تقلب ورقة ثم ورقة ، إلى أن قرأت كل شيء فيه ، فعلمت أنها وثائق ملكية* فيلا * فأخذت الملف و وضعتها داخل كيس أحمر، و ووضعته حيث تدرك أن لا أحد يستطيع لمحه ، و بعدها استأنفت عملها ، و لكن بشكل غير عادي فذلك الملف شغل بالها كثيرا ، وانتظرت حتى انتهاء وقت عملها فخرجت متسارعة الخطى نحو سيارتها الزرقاء التي قيل إنها كانت لابن الماريشال غوادالوبي .
المشهد الثالث
ركبت سيارتها و سارعت نحو منزلها ، و في الطريق التقت بصديقتها الوفية سارة ، التي تسكن بالقرب من منزلها ، وهي من أصول مغربية قدمت إلى فرنسا لمواصلة دراستها الجامعية ، و قد وافقت نرجس على الدعوة بعد إصرار و إلحاح سارة الشديد .
ركنت نرجس سيارتها أمام باب منزل سارة ، و دخلتا إلى المنزل ، إنها المرة الثانية التي تزور فيها نرجس منزل سارة، فهاته الأخيرة تعتبر نرجس صديقتها الوحيدة ، و هي تحبها كثيرا و الشعور متبادل .
و قد كانت نجاة أم سارة في الاستقبال ، حيث هي التي تكلفت بفتح الباب ، وقد سرت كثيرا حين رأت سارة مرفقة بنرجس، فرحبت بها كثيرا ، فجلست نجاة مع نرجس في بيت جميل رائع ، بينما قصدت سارة المطبخ .
نجاة: طال غيابك عنا يا نرجس ، افتقدناك كثيرا يا عزيزتي .
نرجس: فقط السبت الماضي كنت معكم هنا. في الحقيقة أنا أيضا اشتقت إليكم كثيرا .
نجاة: حدثيني يا نرجس ، كيف تسير شؤون حياتك ؟ اخر يوم التقيتك فيه كنت تعانين من بعض المشاكل النفسية .
نرجس : الحمد لله أنا بخير الان . و أنت يا نجاة كيف حالك ؟
نجاة: أنا دائما جيدة و لله الحمد ، كيف يسير عملك في المستشفى ؟
نرجس :كالعادة فقط ، كل مشغول بأعماله ، تعلمين ؟
نجاة: ماذا ؟
نرجس : لا أطيق رؤية بعض الأطباء في المستشفى حيث أعمل .
نجاة: هل يزعجونك ؟
نرجس: لا بل هم لا يعرفونني أصلا .
نجاة : و هل تعرفينهم أنت ؟
نرجس: بالتأكيد أعرفهم .
نجاة : أخبريني مالشيء الذي يجعلك تكرهينهم؟
نرجس: هل تريدين حقا أن تعرفي لماذا ؟
نجاة: إن كان هذا لا يزعجك .
نرجس: أبدا ! ذات يوم و أنا مارة عليهم .
نجاة: كم عددهم؟
نرجس : 3 . قلت لك أني ذات يوم مررت أمامهم و قد كانوا حينها خارجين من غرفة الإدارة ، فنظر إلي واحد منهم فضرب زميله على كتفه ، كأنه يريد القول له ، أنظر إلى تلك الطبيبة المثيرة . فنظر إلي الاخر ، و هذا الأخير بدوره قام بضرب زميله الاخر على حذائه ضربة خفيفة جدا ، رأتها عيني بكل وضوح . و بعدما علمت أن هؤلاء الأوغاد ، يخططون لشيء ضدي بدأت أمشي بسرعة أكثر ، حتى دخلت إلى غرفة في المستشفى توجد بالطبق السفلي ، و غداته، وأنا أمارس عملي جاءني أحدهم إلي قائلا " أنت جميلة جدا يا ذات العيون الشرقية ، هل يرضيك أن أكون زوجك يوما ما ؟ " فنظرت إلى وجهه بسرعة ، فوجدته ينظر إلى ركن ما في المستشفى حيث يوجد صديقاه , و هو يضحك إليهم . فغادرت المكان من دون أن أرد عليه ، فسمعته يقول بصوت ساخر يحاول من خلاله التأثير بي وهذا ما فشل في فعله حقا ، كان يقول – زوجتي المستقبلية ! أنا أنتظرك في الخارج بعد نهاية عمل اليوم ، لا تنسي الموعد – و يضيف بعدما راني ماشية من دون أن أولي أي أهمية لكلامه – إن لم تقبلي هذا ، فأمامك خيار اخر ... تسمعين ؟ - فاستغربت من جملته الأخيرة هاته ، و حاولت أن اشرحها وأحللها بكل الطرق ، إلا أن محاولاتي باءت بالفشل ، و حين كنت خارجة من المستشفى راكبة دراجتي النارية ، وجدته ينتظرني أمام المستشفى بسيارته المرسديس الجديدة ، فلوح لي بيده قائلا - هل نسيتي الموعد يا جميلتي ؟ - فنظرت إليه خلسة ، و قلت له – أنا لا أواعد القذرين – فتغير مزاجه فجأة، وبدا غاضبا جدا ، نزل من سيارته بسرعة متوجها إلي، ظن المسكين أني سأهرب خائفة منه . الحقير كان مخطئا ، ففي فرنسا قانون الغابة لا يصلح للبشر ، أنزلني بعنف من على الدراجة و هددني بقتلي ، نظرت أمامي فلم أجد أي شخص يجول في المنطقة ، و الظلام حالك، فأدركت حينها أن الصراخ والاستنجاد بالمارة لم يعد حلا، فانتابني خوف شديد، و الخطر محدق بي ، و خصوصا حين التحق به الطبيبان اللعينان ، فحرت من أين المفر ، إلا أن الحفيظ العليم سرعان ما وضع حدا لليلة الرعب هاته ، حيث مر أمامنا شابين ، و لما لمحوا هؤلاء الأشخاص يتحرشون بي ، اتجهوا نحونا مباشرة ، و بدؤوا بتوجيه اللكمات إلى تلك الوجوه القذرة ، فشكرت الشابين لجميلهم . فركبت السيارة و أنا أرتعد خوفا ، و لم أرتح حتى وصلت إلى منزلي حيث اسكن وحيدة ، فارتميت على السرير و أنا أتنفس الصعداء. يا الهي كم كانت تلك الليلة مخيفة !
نجاة : هي حقا كذلك ، ولكن أريد أن أعرف ماذا حل باليوم الموالي .
نرجس : حذرتهم بتبليغ الشرطة إن هم قاموا بإزعاجي مجددا.
نجاة : دع المسيء لإساءته .. فـإن إساءته تكفيه
نرجس : بالفعل ، فإساءتهم تكفيهم .
نجاة : و هل ...
تدخل سارة فجأة من الباب حاملة سينية كبيرة بها فنجاني قهوة بجانب حلويات جذابة الشكل. والابتسامة تعلوا وجهها .
نجاة : أين تأخرت كل هذا الوقت يا سارة ؟
سارة : كنت أعد القهوة لنا ؟
نجاة : من أنتم ؟
سارة : أنا و نرجس .
نجاة : و أين فنجاني ؟
نرجس : لا بأس خذي فنجاني.
نجاة : لا أنا أريد فنجانا خاصا بي، لماذا لم تعد لي فنجانا مثلما فعلت ذلك لك ، أكيد أنك يا سارة تحبين نرجس أكثر من أمك .
نرجس : ماذا فعلت يا سارة ، كان عليك أن تعدي لها فنجانا لها أيضا .
نجاة : إنها هكذا دائما تكره أمها، ولا أعرف لماذا .
سارة : لأنك كنت تغضبين مني حين أدعو نرجس إلى منزلنا.
تنظر نرجس باستغراب مستمعة لهذا الكلام الذي لم تتصور يوما أن تسمعه . تحاول أن تغادر المنزل بسرعة ولكن تمنعها سارة من يديها من دون أن تترك لها أي فرصة ، فحدث أن صرخت بصوت عالي قائلة
نرجس : لا أريد ان أبقى هنا أكثر ، دعيني يا سارة ! دعيني أرحل !
و لكن من دون أن تبدي سارة و أمها نجاة أي اهتمام لصراخها يستمران في جدالهما .
سارة : لا تقولي أني أكذب .
نجاة : حقا أغضب منك حين تدعوين نرجس إلينا ، و لكن هذا ليس سببا مقنعا لكره أمك.
سارة : بل هو سبب ، فأنا أحب نرجس كثيرا ، ولا أريد من أحد أن يمنعني من مصادقتها .
نجاة : أنا لم أمنعك من ذلك ، بل فقط قلت لك لا تدعيها تدخل إلى منزلنا .
سارة : ولماذا ؟
نجاة : لأنها ...لــ...
تلتفت نرجس بسرعة إلى نجاة ، و تنتظر الجواب ، و هي كقنينة زجاجة يكسرها أطفال يلعبون .
سارة : هيا أخبريها لماذا .
لم تستطع سارة وأمها نجاة أن يستمرا أكثر في هذه المزحة، حيث انفجرت نجاة ضحكا حين رأت نرجس وهي غاضبة ، و قد ضحكت سارة أيضا بصوت عالي و وقالت .
سارة : هل صدقت حقا ما سمعته يا نرجس ؟
التزمت نرجس الصمت وهي تنظر إلى الأرض يخالجها شعور غريب .
نجاة : لقد كنا نمزح فقط يا نرجس .
لم تتكلم مرة أخرى نرجس، و اكتفت بالصمت ، فإذا بقطرات دموع تترقرق في عينيها ، فقامت نجاة بسرعة وعانقتها، و هي تعتذر لها .
نجاة : نحن اسفتان جدا ! لقد تعودنا أن نمازحك لسعة صدرك. و لا نفعل ذلك مع الضيوف الاخرين من الفتيات والنساء، لأن أنت بالنسبة لنا فرد من أسرتنا .
سارة : أنت لست على عادتك اليوم يا نرجس، هناك خطب ما.
نرجس : لا مشكلة عندي، فقط ذكرني هذا بأيام طفولتي المغتصبة ، حين توفي والداي ، و دعتني صديقة وفية لي ، لا أتذكر اسمها ... نعم ... غزلان ... لقد كانت طفلة طيبة جدا، و كانت تبكي من حين لاخر حين تراني أعيش يتيمة، و كما قلت فذات يوم قام والد غزلان بضربها و طردني أنا من المنزل بكل وحشية .
نجاة : لو كنا ندري هذا ، لما قمنا بممازحتك ، اسحبي ما فعلناه .
ساد صمت لم يطل كثيرا ، فنظرت نرجس إلى نجاة ثم إلى سارة وقالت مبتسمة بصوت لطيف جدا .
نرجس : أنتما ممثلتان بارعتان !
سارة : و ماذا تظنين ؟
يضحك الجميع. ثم تغادر نجاة المكان وتبقى سارة و نرجس بوحدهما في البيت ، فتقترب سارة منها .
سارة : أحس أنك لست بخير أبدا يا نرجس ، أرجوك أخبريني.
نرجس : أنا بخير يا أختي سارة ، فقط مشكل صغير جدا ، جعلني أفقد السيطرة على أعصابي .
سارة : حدثيني .
نرجس : أحد الشبان دخل إلى غرفة في المستشفى ونسي ملفا له ، وأخذته أنا ووضعته في سيارتي .
سارة : و هل هذا مشكل يا نرجس ، الأمر سهل للغاية ، أعيديه إليه .
نرجس : أنت لم تسأليني عن الملف .
سارة : لماذا ؟
نرجس : إنه ملف يحمل وثائق ملكية * فيلا * .
سارة : و هل يمنعك ذلك من إعادته له ؟
نرجس : لا ... أنا من اختلقت المشكلة ، كان علي أن أعطيه حين وجدته ، ولكن أنا أخرت الأمر إلى بعد مرور يومين ، و هو الان لا يزال بحوزتي ، وأخاف ...
سارة : من ماذا ؟
نرجس : أخاف أن يظن بي ظن السوء .
سارة : انسي الأمر، كل شيء سيكون على ما يرام.
نرجس: أرجوا ذلك .
سارة: ما رأيك في الذهاب لسطح المنزل، فالجو في الخارج رائع جدا.
نرجس: إننا في هاته الحياة نتيه بين أرجائها، باحثين عن الروعة فقط، إذا كان الجو حقا كذلك في الخارج فمالذي يمنعنا من الذهاب.
سارة: تتكلمين بلهجة غير معهودة، لا بأس . هيا بنا !
و ما إن أطلتا فتحتا باب الغرفة الصغيرة للدخول إلى السطح فإذا هم يتفاجؤون بالليل و قد ادلهم على غير عادته، فابتسمت نرجس.
نرجس: أروع مما تصورت !
سارة: أنت لي صديقة منذ زمن طويل، كنت أحس بالفضول لمعرفة شخصيتك، ولكن لم تتح لي الفرصة لفعل ذلك. أنت تحبين ما هو رائع، و تعشقين ما هو داكن، أرى هذا متناقضا، و لكن هناك شيء ما يشعرني أن هذا هو أكبر توافق .
نرجس: إن هذه الظلمة الشديدة هي التي جعلت الجو يبدو على روعته الكاملة.
سارة : كيف ذلك ؟
نرجس: فكري معي جيدا ، تصوري أنك تملكين وردة اصطناعية تنبعث منها أضواء جميلة.
سارة: أمتلكها حقا ... و لا داعي أن أتصور!
نرجس: تملكينها ؟ جيد جدا ! هذا سيسهل العملية، أرجوك أن تحضريها هنا .
... بعد خمس دقائق
سارة: ها أنذا !
نرجس: جميل ، أرجوا أن تضعيها هناك و تجعلينها تصدر تلك الأضواء الملونة.
سارة: سمعا و طاعة يا حلوتي
قامت بالأمر و جلست قربة نرجس.
نرجس: هل لاحظت كيف تبدوا تلك الألوان ساحرة و السواد يلفها ؟
سارة: الأمر عجيب يا ساحرة ! لم أفكر يوما أن أقوم بهذا .
نرجس: إذا أنت تشغلينها في أوساط مضاءة؟
سارة: نعم
نرجس: و الان هل اكتشفت هذا السر أم لا ؟
سارة: بكل تأكيد فالأشياء لا تبدو على روعتها الأصلية إلا حينما تكون الوحيدة من بين بنات نوعها في الموقع.
نرجس: ليس بالضبط ، بل يجب عليك أن تقولي أن الأشياء الجميلة تبدوا أجمل و هي في الظلام، و هذا ما يعلل كلامي السابق، حيث راقني أن أجلس في الظلمة للاستمتاع بالجو الجميل .
سارة: لا ضير إن قلت أن الجميلات لا يظهرن بكل جمالهن إلا و هن في الظلام !
نرجس: أكيد لو مر أحد من هنا لما استطاع أن يرانا.
تضحكان، ثم تواصلان حديثهما.
نرجس: أخبريني يا سارة، هل تفكرين في العمل؟
سارة: لقد تلقيت عروضا كثيرة للعمل في شركة الاتصالات ولكن رفضتها.
نرجس: و لماذا ؟
سارة: لأني أريد أن أرتاح قليلا، فليس بمجرد إتمام الدراسة يجب التفرغ للعمل، فقد أضناني الجهد الدراسي، و أحببت أن ارتاح هذا العام.
نرجس: إخواننا في بلاد العرب، يعانون الأمرين في سبيل إيجاد عمل لهم بسرعة بعد إتمامهم لدراستهم، و أنت هنا تتلقين عروضا في أفضل الوظائف و ترفضينها بدم بارد.
سارة: دعينا من هذا .. سمعتك تتحدثين مع أمي عن الأطباء و الإزعاج ، ما هاته القصة الجديدة؟
نرجس: اسألي أمك و ستخبرك بكل شيء عن ذلك، لأني أريد ان أرتاح قليلا الان ؟
سارة: اسفة لأني أزعجتك بثرثتي.
نرجس:ما هذا الذي تقولينه يا سارة؟! لماذا تعتبرين نفسك ثرثارة ؟ لو كنت كذلك لما جعلتك صديقتي الوحيدة في الدنيا.
سارة: حسنا ! أنا لست كذلك.
نرجس: لست صديقتي ؟
سارة: بلى ، اقصد لست ثرثارة.
نرجس: غبية ! تشهد على نفسها زورا !
تضحكان مرة أخرى، و ها هي ذي نرجس تمد جسدها على الأرض و تستند برأسها على فخد سارة، لتبدأ هاته الأخيرة بلمس شعرها، و سرعان ما غرقت نرجس في النوم، و تلتها بعد ذلك سارة، بعدما أتت بالوسادة ووضعتها تحت رأس نرجس التي لم تشعر بكل ذلك. ونامت سارة بجانبها.
ونت شدة الظلمة وبدأت تتبين خطوط الفجر، و إذا بالعصافير تغرد و تزقزق، وعلى هذا الإيقاع استفاقت نرجس، و قامت بسرعة و هي مرتبكة، قررت أن توقظ سارة كي تخبرها أن عليها الذهاب نظرا لارتباطات العمل، و قد اصطحبتها حتى الباب، فودعتها على أمل اللقاء مرة أخرى، و تسارعت الخطى نحو منزلها، ولكن بسرعة تذكرت ملفها الذي تركته في البيت، عادت و طرقت الباب، طلبت من سارة أن تحضر لها الملف، انتظرت نرجس خارجا و انتظرت سارة التي عادت ومعها الملف، ودعتها مرة أخرى
سارة : أتمنى أن لا تكوني قد نسيت شيئا اخر .
نرجس: كي لا أزعجك مرة أخرى ؟ لا لم أنسى شيئا آخر، بالمناسبة ليلة أمس كانت من أشد ليال حياتي هدوءا .
سارة: و لهذا أتمنى أن يكون ذلك سببا لزيارتك لنا كل يوم .
المشهد الرابع
إلى مستشفى سترابورغ تدخل فتاة معاقة تستند على عكاز كتب عليها أن يرافقها في عز أيام شبابها، هاته الفتاة جاءت لهذا المستشفى لتجري عملية جراحية على مستوى الفخذ، لقد أنيطت هاته المهمة لثلاث أطباء من بينهم نرجس التي جهزت نفسها لتقوم بهذا العمل الانساني، و التي استغرقت ثلاث ساعات، وضعت نرجس مقصها الطبي على الطاولة، فكانت تتتصوره كالطبرزين الذي استعمل في الحرب العالمية الأولى، إن مهنة الطب هاته تكاد لا تناسب نرجس التي تفيض بالعاطفة فتجد نفسها مجبرة على تجاوز هاته المشاعر، بعد مرور بضع ساعات اتجهت نرجس إلى الغرفة حيث ترقد المريضة، فحدث أن وجدتها تطحر فتألمت لذلك، و جلست بقربها محاولة تخفيف ألم المعاقة التي يبدوا أن حالتها النفسية فظيعة
نرجس: أشفقي علي يا أختي فإني أتألم أكثر منك حين أجدك هكذا !
المريضة: كيف لي أن أخفي ألمي و أنا على فراش الموت ؟!
نرجس: لا تتشائمي فالله قادر على أن يذهب عنك سقمك، فلا تجزني من رحمة الله
المريضة: صدق كلامك، و لكن لماذا أنا أتعس الناس حظا ؟
نرجس: الله كتب عليك أن تعيشي هكذا، كي يختبر قوة إيمانك به، فاستغلي وضعك واحمدي الله، لا تجعلي إعاقتك سبب هلاكك، اعبدي ربك و احمديه على النعم الأخرى التي وهبك الله إياها.
المريضة: هل ترين ... * تسعل بصعوبة و بشكل متقطع ثم تمد يدها نحو كوب، اجتهدت للإستقامة بظهرها و كان الأمر مرهقا ولكن سرعان ما مدت نرجس يد عونها وساعدتها على الوقوف من أجل شرب الماء و من ثم تعود لتنبطح على الفراش المكدم، أخذت نفَسَا عميقا و من ثم نظرت إلى نرجس *
نرجس: أنت فعلا تعانين ! كنت بصدد طرح سؤال ، أنا مستعدة للإجابة عنه إذا كان الأمر يتعلق بمصلحتك .
المريضة: لا أعتقد أني فعلت ذلك حقا
نرجس: سأذكرك.. قبل أن تسعلي قلت * هل ترين *
المريضة: لا أتذكر ذلك .
نرجس: لكن فقد تم ذلك قبل دقيقتين فقط !
المريضة: قلت لك إني لم أتذكر ذلك.
صمت الطرفين وساد جو من الصمت لم يدم طويلا، هذا الصمت الذي كسرته المريضة و هي تقول .
المريضة: دعيني أخبرك شيئا ما .
تنظر إليها نرجس باستغراب .
المريضة: أنا يا انستي ! أعاني من ضعف الذاكرة، حيث أعجز عن تذكر الأحداث .
نرجس: لا أصدق هذا !
المريضة: أنت طبيبة، ولا تصدقين هذا ؟
نرجس: أ تنسين كل شيء يحدث أمامك ؟
المريضة: ربما ..
نرجس: ربما ؟! ما هذا الجواب العديم المعنى ؟ حسنا ... منذ متى و أنت هكذا .. أقصد معاقة ؟
المريضة: تختبرين ذاكرتي إذن؟
نرجس: هل لديك مانع ؟
المريضة: من أنت ؟
نرجس: احسبيني صديقتك الجديدة .
المريضة: أقصد ماذا تفعلين هنا ؟
نرجس: أنا ؟!! أنا ... أنا أعمل هنا .. طبيبة .
المريضة: هكذا إذن . و ماذا أفعل أنا هنا ؟
نرجس: ما هذا الهراء ؟
المريضة: هل تعتبرين سؤالي هذا هراءا ؟
نرجس: نعم ، فأنت تسألين عن أشياء تعرفينها و تريدين أن أجيب عنها .
المريضة: اسفة جدا يا انستي، لقد نسيت أن أخبرك شيءا ما
نرجس: هيا .. تفضلي ..
المريضة: أنا أعاني من ضعف في الذاكرة و لا أتذكر ما يجري أمامي .
نرجس: يا الهي ! لقد أخبرتني بهذا قبل دقائق .
المريضة: و هل سبق أن تكلمت معك أصلا ؟
نرجس: مهلا ! أنا الغبية ، فقد أخبرتني أنك تعانين من ضعف في الذاكرة . و هذا ما جعلك تظنين أنك لم تلتقي بي أبدا... لدي سؤال من فضلك .
المريضة: أرجوا منك أن لا تطلبي مني الإشارة لطرح السؤال مرة أخرى، يكفي أن تطرحي سؤالك .
نرجس: ما آخر شيء تتذكرينه ؟
المريضة: منذ أن أخبرتني أنك طبيبة .
نرجس: لا . أقصد قبل هذا .
المريضة: يصعب علي تذكر الأشياء القديمة جيدا، ولكن أحس أني لم أنسها كلها، فأنا قادر على تذكر بعض الذكريات، خصوصا المؤلمة منها .
نرجس: يسعدني أن أطلع على بعض منها.
المريضة: تطلعين على ماذا ؟
نرجس: ذكرياتك .
المريضة: ولكن من أنت ؟! و لماذا تتحدثين عن ذكرياتي ؟
نرجس: أنا أعمل هنا في المستشفى كطبيبة وأنت مريضة جئت هنا و قد قمنا بإجراء عملية على فخذك ، وأنا أريد أن أتعرف على ذكرياتك المؤلمة .
المريضة : أنا لا أحدث الغريـبات عن ذكرياتي .
نرجس: لا ، أنا لست غريـبة، لقد تحدثت معك قبل قليل، وأنا أريد مساعدتك .
المريضة: أنا لا أتذكر ذلك، ولكن سأخبرك بشيء ما . إني أعاني من ضعف في ذاكرتي، و لذا فإني لا أتذكر الأحداث .
نرجس: أعرف هذا، أعرف هذا، حدثيني عن طفولتك .
المريضة: لا أستطيع .
نرجس: أرجوك حاولي .. حاولي تذكر و لو حدث بسيط ..حاولي .. و ركزي .. أنا أزعجك بكلامي هذا، سأوفر لك الهدوء الذي سيساعدك على التذكر.
تنظر نرجس إلى الطبيبة باهتمام كبير بينما يبدوا لهاته الأخيرة أنها تمكنت من رصد بعض من ذكرياتها المتطايرة، و التفت فجأة إلى نرجس التي اهتزت قوائمها بتأثير الفرحة، لقد ظنت أن المريضة تمكنت حقا من تذكر شيء ما، ولكن ...
المريضة: سيدتي المحترمة .
نرجس: نعم ..
المريضة: هل لي أن أعرف من أنت ؟
نرجس: نعم، بكل سرور...تريدين إذن أن تعرفي من أنا ؟ ... أنا تلك الطبيبة المجنونة التي تهدر وقتها أمام فاقدات العقل مثيلاتك، بدل أن يقمن بعملهن.
المريضة: لم أنت فظة هكذا ؟ أعتقد أني سألتك سؤالا عاديا جدا، أنا لن أجعل هناك أية ضغينة تجاهك، لأني أقدر عملك هذا الذي يثير الأعصاب حقا .
تغادر نرجس الغرفة من دون أن تنطق ببنت شفة، و بعد لحظات تعود للمكان، حاملة معها ورقة مكتوب عليها بقلم أخضر * أنا نرجس، أعمل كطبيبة هنا، أنا و زميلاي قمنا بإجراء عملية جراحية لفخذك، لقد تحدثنا قبل قليل ، و أخبرتني أنك تعانين من ضعف في الذاكرة القصيرة، وأنه بإمكانك تذكر بعض الذكريات القديمة، التي أريد منك أن تطلعيني على بعض منها، كي أتأكد من أنك قادرة على تذكر الذكريات القديمة، وبالتالي سأقوم بتشخيص مرضك هذا الذي قد يجد له الأطباء المتخصصين في فرنسا علاجا ما *
سلمت نرجس هاته الرسالة للمريضة، فأخذت تقرأها، و ما إن أنهت القراءة نظرت إلى نرجس مبتسمة، اجتهدت المريضة المعاقة في تذكر حدث ما قديم ، وأخيرا نجحت في ذلك.
المريضة: لقد مققت مخي على اخره فلم أتمكن من رصد إلا ما سأحكيه لك الان .
تنفست نرجس الصعداء و قالت
نرجس: و أخيرا ... تحدثي بسرعة قبل أن تفقدي ذاكرتك مجددا.
المريضة: أتذكر أخي و هو بين قبضة الشرطة التي تضربه بوحشية في كل مكان في جسده و تضعه داخل سيارة الشرطة، بينما كنت أتابع ذلك من قرب باب المدرسة ، و رأيت شابا متجها إلي يحمل عصا أو هراوة و يقترب إلي بخطوات متسارعة و هو يلتفت يمينا و يسارا و بشكل مستمر.
نرجس: تابعي كلامك .. أنت تبلين حسنا ..
المريضة: و ماذا عساي أن أتذكر فهذا أخر ما وجدته بالكاد معلقا على جدارية المخ.
نرجس: هل بإمكانك تشخيص شكل وجه ذلك الشاب، و هل يمكنك تصور شكل أخيك أيضا ؟
المريضة: عن أي شاب تتحدثين؟
نرجس: ذلك الذي كان يحمل عصا في يده و قلت أنه كان يتجه نحوك .
المريضة: أنت تهذين ! متى تكلمت معك يا سيدتي ؟
نرجس (لنفسها ): ذاكرتها القصيرة تمحى بعد مرور خمس دقائق إذن، و إن مكثت معها هنا لساعة إضافية فإني سأفقد عقلي كله و ذكرياته، لكن لا بأس، سأساعدها .
نرجس: خذي يا سيدتي تلك الورقة و اقرئيها مجددا .
المريضة: أقرأها مجددا ؟ ومتى قرأتها أصلا في السابق ؟ حسنا سأفعل ذلك ...
تناولت الورقة و أخذت تقرأها ثم وضعت الورقة جانبا و نظرت إلى نرجس تنتظر منها أن تقول شيئا ما.
نرجس: و لكن هاته المرة أريد منك أن تخبريني عن شكل ذلك الشاب و شكل أخيك و اسمه و كل ما تعرفين عنه .
المريضة: كل ما أعرفه عن أخي هو أنه أخي، أما بخصوص ذلك الشاب فلا أدري عن أي مخلوق تتحدثين، و أرجوا منك أن تخبريني بكل ما قلت لك قبل دقائق.
نرجس: لم تقولي شيئا مهما. سأدعك الان ترتاحين قليلا .
المريضة: قليلا ؟ بل كثيرا كثيرا ..
نرجس: يبدوا أنك متعبة حقا !
غادرت نرجس الغرفة مرة أخرى متجهة نحو إدارة المستشفى، دلفت إلى الداخل ملقية التحية على المدير.
المدير: ما بك يا نرجس؟ ما الذي أتى بك إلى هنا ؟
نرجس: أريد أن أعرف متى ستغادر تلك المريضة المعاقة المستشفى، تلك التي أجرت عملية جراحية في فخذها.
المدير: حسب المعلومات التي توصلت بها، فإن بإمكانها أن تغادر المستشفى غدا.
نرجس: بهاته السرعة ؟
المدير: نعم، و سيتم نقلها إلى مستشفى خاص بباريس، فحالتها الصحية متدهورة جدا، معاقة، زد على ذلك أن لديها ضعف في الذاكرة .
نرجس: المسكينة! كأنها تعيش في الجحيم . هل ستتكلف الدولة بعلاجها ؟
المدير: طبعا !
نرجس: و تكلفة العملية الجراحية التي قامت بها اليوم، من سيدفعها؟
المدير: هذا لا يهمني يا نرجس .
نرجس: اسفة عن الازعاج يا سيدي، أنا مضطرة للذهاب.
غادرت نرجس الإدارة، انتهت حصة عملها اليوم، اتجهت نحو زميلاتها في العمل و جلسن في غرفة و بدأن يتبادلن أطراف الحديث بصوت خافت كي لا يزعجن المريضات. يضحكن تارة، وتارة أخرى يتحسرن، ولكن نرجس لا تتحدث أبدا، هكذا الحال إلى أن بزغت شمس الخميس، نرجس لم تنم كثيرا و لم تستمتع بالأحلام هذه الليلة، قامت لتستأنف عملها من جديد، و ما إن حلت فترة الظهيرة حتى وجدت نفسها داخل الغرفة التي توجد بها المريضة المعاقة، فوجدتها نائمة، فانتظرت حتى استيقظت .
نرجس: أنت هنا بصدد إجراء عملية جراحية، التي قمت بإنجازها و زميلاي، و اليوم هو موعد مغادرتك المستشفى، و لذلك يجب عليك أن تدفعي ثمن العملية.
المريضة: و من أنت ؟
نرجس: أنا طبيبة .
المريضة: هل تعرفينني ؟
نرجس: قليلا فقط
المريضة: أنا لا أعرفك
نرجس: نعم، فالكل يعرف الشهير، ولكن ذلك الشهير لا يعرف الكل.
المريضة: منذ متى و أنا هنا ؟
نرجس: يومين .
المريضة: و الان إلى أين سأذهب ؟
نرجس: يتم نقلك إلى مستشفى خاص.
المريضة: لا سأذهب لمنزلي .
نرجس: و لم تسألينني إذن ؟ ..مهلا..! قلت منزلك !؟ أين يوجد منزلك هذا؟
المريضة: لا أتذكر.
نرجس: أخبريني بسرعة، من يتكلف بأمرك ؟
المريضة: خالقي .
نرجس: نعم..نعم..فالله يتكلف بأمرنا جميعا، أقصد من سيدفع ثمن العملية الجراحية التي قمت بها على فخذك؟
المريضة: لماذا تتحدثين عن العملية الجراحية و الفخذ ؟ و قبل ذلك، من أنت؟
نرجس: انسانة تريد لك الخير فقط.
المريضة: ما اسمك ؟
نرجس: نرجس. و أنت ما اسمك؟ و هل لديك مال، و أين تعيشين ؟
المريضة: ليس لدي اسم محدد، يمكنك أن تناديني أسماء ، ليس لدي مال ، و لا آمال، أعيش فقط و على الله الكمال .
نرجس: انسي أمر تكلفة العملية، سأتكلف بدفعها من نقودي الخاصة
المريضة: أية ملكة على هيئة بشر أرسلها إلي ربي !
نرجس: و لكن لا تخبري أحدا بهذا .
المريضة: لا أدري كيف سأشكرك على هذا !
نرجس: لست مضطرة لذلك.
أخذت نرجس ورقة و بحثت عن قلمها فوجدت تحت الطاولة، ثم تناولته وأخذت تكتب مرة أخرى عليها مذكرة قصيرة و مضمونها * أنت تنسين بسرعة لهذا أذكرك بهاته الورقة. لقد قررت أن تدوني كل ما تتذكرينه من ذكرياتك القديمة في دفتر، و بعدها قومي بزيارة لمستشفى ستراسبورغ سنترال ، و ابحثي عن طبيبة اسمها نرجس، و سلمي لها هاته الورقة .. ضعيني الان على التلفاز *
نرجس: إليك هاته الورقة، لقد كتبت فيها شيئا ما .
تسلمت المريضة الورقة و قرأتها باهتمام كبير، لم تجد شيئا تقوله، و أخذت تحرك رأسها يمينا و يسارا و إلى الأعلى، فاستغربت نرجس و قالت .
نرجس: عن ماذا تبحثين يا سيدتي ؟
المريضة: لقد كتبت هنا * تشير إلى اخر الورقة * أن أضع الورقة على التلفاز، وأنا لا ألمح هنا أي تلفاز!
ضحكت نرجس، بينما اشمأزت المريضة من ضحكتها معتقدة أنها مدعاة للسخرية .
المريضة: لماذا تضحكين يا محترمة ؟
نرجس: لا تنظري إلي هكذا ... لقد كتبت ذلك كي لا تنسي التدوين فقط .
المريضة : التدوين !؟ تدوين ماذا ؟
نرجس: قلت لك تدوين كل ما تمكنت من تذكره من بين ذكرياتك القديمة ؟
المريضة: لا أعرف عن ماذا تتكلمين و لكن، هل تسمحين لي بطرح سؤال واحد ؟
نرجس: تفضلي سيدتي.
المريضة: من أنتِ ؟
المشهد الخامس
تتجول سارة برفقة صديقتها نجلاء في ساحة عمومية جميلة بمدينة ستراسبورغ، و يتبادلان أطراف الحديث فتنبعث منهم ضحكات مسترسلة. سارة و نجلاء صديقتين وفيتين منذ أول مرة التقيتا، وكان ذلك قبل سبع سنوات، يعني حين كان عمرهما لا يتجاوز ستة عشر سنة، علما أنهما قرينتين و كانتا زميلتين في الصف لثلاث سنوات متتالية، تقاسمتا نفس الطاولة، و نفس الأجوبة أيضا، ما يميز شخصية نجلاء هي أنها لا تأبه للآخرين، و لا تهتم لكلامهم، بينما يتغير الوضع حين تكون برفقة سارة، فهي توليها اهتماما كبيرا، و تستشيرها دائما في شؤونها الشخصية، رغم أنها تونسية، اتجهتا نحو كرسي عريض و جلستا معا بطلب من سارة.
سارة: متى سيكون حفل زفافك ؟
نجلاء: قريـبا .
سارة: أين يوجد خطيبك؟
نجلاء: بعيدا
سارة: هل أنت مبرمجة على الإجابة بكلمة واحدة فقط؟
نجلاء: نعم
سارة: هل ستجيبينني على سؤالي الأول أم لا؟
نجلاء: لا
سارة: ها أنت ذا مرة أخرى، كلما بدأت في سؤالك عن الزواج تبدئين باختلاق ألاعيب و مراوغات. لا أدري هل هذه صفة وراثية أم سياسة شخصية ؟
نجلاء: هذه صفة وراثية.
سارة: عرفت هذا .
نجلاء: لقد ورثتها من صديقة لي اسمها سارة.
سارة: بل بالعكس من ذلك، أنا أخبرك دائما بأسراري الخاصة التي لا أستطيع إفشاءها لأي أحد.
نجلاء: كنت كذلك قبل أن تتغيري حديثا ، أصحبت تتهربين من الخوض معي في الحديث عن حياتك .
سارة: وضحي كلامك
نجلاء: سألتك و نحن قادمتان إلى هنا، عن تلك الفتاة التي كانت تودعك صباح هذا اليوم و هي تحمل ملفا في يدها.
سارة: لم أعهدك يا سارة هكذا، تطاولين السؤال عن شؤون لا تخصك البتة !
نجلاء: لا يا سارة، فأنا أعي جيدا مقولة * من تدخل فيما لا يعنيه سمع ما لا يرضيه * و لكن برفقتك يا سارة سأسمع ما يرضيني .
سارة: كن أنت عنيدة !
نجلاء : هيا حدثيني .
سارة: لقد كانت فقط صديقتي.
نجلاء: صديقتك ! هل تعرفين اسمها ؟
سارة: بالله عليك هل يوجد مخلوق بشري يصادق اخر و لا يعرف اسمه ؟!!
نجلاء: اسمها ..اسمها بسرعة ..
سارة: اسمها نرجس يا فضولية .
نجلاء: الحمد لله !
سارة: ما بك يا مجنونة ؟
نجلاء: خفت أن تكون تلك المشعوذة الماكرة هي التي زارتك لتجعلك ضحيتها .
سارة: مشعوذة !؟
على الكرسي المجاور جلس شاب و بيده جريدة يتصفحها و تلفت انتباهه سارة حين رفعت صوتها مستغربة من سماعها كلمة المشعوذة. و لكن سرعان ما عاد لقراءة جريدته و لكن مسامعه انتقلت إلى حديث سارة و نجلاء .
نجلاء: اخفضي صوتك ! ما بك مستغربة هكذا ؟ ألم تسمعي بتلك الفتاة الماكرة الفاسقة ؟ التي تطرق أبواب المنازل حيث تسكن العائلات العربية ، و تخبرهم أنها فتاة قد تم إرسالها من طرف شخص آخر بغية تبشيرهم بمال وفير يحصلون عليه في القريب العاجل إذ هم تعاونوا معه على جلبه بطريقته الخاصة التي يقول أنه الوحيد القادر على فعلها.
سارة: أعوذ بالله من شر خلقه.
نجلاء: و لهذا أسألك كثيرا عن ما لا يعنيني .
سارة: مادمت صديقتي فكل ما يعنيني يعنيك أنت أيضا، دعيني أخبرك إذن عن صديقتي نرجس.
نجلاء: بدأت تشعرين بالنخوة.
سارة *تضحك* : نرجس هي طبيبة، تعمل في المستشفى المركزي.
نجلاء: ربما أعرفها، هل باتت أمس عندك في المنزل ؟
سارة: نعم إنها فتاة روحانية جدا، كلماتها إبداع تخرج من بين شفتيها حروفا ذهبية سرعان ما تجد لها مكانا في قلب المستمع .
نجلاء: يبدوا أنك قضيت ليلة جميلة برفقتها .
سارة: كنا مرهقين ولم نتمكن من السهر. حتى بعد استيقاظها لم تكن في حالة جيدة، و الدليل على ذلك أنها نسيت أخذ ملفها معها، فعادت لتطرق الباب باحثة عنه.
نجلاء: ذلك الملف الأحمر ؟
يلتفت الرجل حامل الجريدة بسرعة مرتبكا ومتعجبا لسماعه عبارة الملف الأحمر.
سارة: نعم ، وأين لك بمعرفة لونه؟
نجلاء: لقد أخبرتك قبل قليل أني رأيتها حين خرجت من منزلك .
سارة: بالطبع .
نجلاء: هل صديقتك متزوجة؟
سارة: ليس بعد .
نظر الرجل إلى الفتاتتين على حين غرة و على محياة ابتسامة شريرة، دمج أوراق الجريدة ببعضها البعض بسرعة كبيرة و ووضعها بجنب نجلاء من دون أن تشعر بذلك، قام بسرعة من مكانه، ركب سيارته التي مخرت المكان بصوت عجلاتها، مما لفت انتباه جميع الناس الذي كانوا في الموقع، لاحظت نجلاء أن الرجل قد نسي جريدته.
نجلاء: لا أعرف ما الشيء الذي تذكره ذلك الرجل ؟
سارة: و من يدري ؟ *مشيرة نحو الكرسي* أنظري هناك لقد نسي جريدته !
نجلاء: أنا حقا مشتاقة لقراءة الجرائد !
سارة: قومي بسرعة و آتي بها إلى هنا، فأنا أيضا أحب قراءة الجرائد .
قامت نجلاء و أتت بالجريدة بعدما تأكدت أن الرجل قد رحل من المكان، و بدأتا تقران في الصفحة الأولى أهم العناوين، و انتقلوا مباشرة إلى الصفحة ما قبل الأخيرة لقراءة الفنجان، أو ما يسمى بالأبراج، لكن سرعان ما انتقلوا إلى الصفحات الأخرى بحثا عن شيء يستحق القراءة، ولفت انتباههم، روبورطاجا مكتوبا عن الجالية العربية بفرنسا، و فجأة تلقت نجلاء اتصالا من أختها حيث طلب منها أن تلتحق بجنب البنك.
نجلاء: سمعت كل شيء يا سارة، سأذهب الآن، و لن أتأخر في العودة .. أمهليني عشرين دقيقة و ستجدينني بجانبك
سارة: أمهلك نصف ساعة، فقط عودي .
غادرت نجلاء متسارعة الخطى، فيما تعمقت سارة في قراءة ذلك الروبورطاج، و ما هي إلا خمس دقائق حتى وجدت نفسها محاطة بأربع شبان، يحيطون بها من كل جانب و يتكلمون معها برفق كي لا يلفتوا انتباه الناس المتواجدين في الساحة.
الشاب 1 : إياك وأن تحركي شفتيك ! الزمي المصت و إلا كان مصيرك الموت.
الشاب 2 : إذا تعاونت معنا ، لن يحل بك أي مكروه ، فنحن لا نريد إيذاءك.
سارة: و من أنتم ؟
الشاب 3 : ضيوفك المفاجئين.
سارة: بئس الضيوف السفهاء
الشاب 2 : قولي ما شئت يا جميلتي، فقط لا تصرخي ، وإلا * ينظر إلى السكين الذي يحمله الشاب الرابع ضاحكا * .. أنظري هناك
الشاب 4 : هل يبدوا جذابا يا رفيقي ؟
الشاب 2 : بالطبع هو كذلك .
ترتعد سارة رعبا، وتنتظر عودة نجلاء . استجمعت نفسها و قالت
سارة: ماذا تريدون مني يا شباب؟ فأنا فتاة خيرة، ولا أستحق هذا.
الشاب 1 : هيا بنا يا حبيبتي الحلوة، لن يصيبك مكروه، لن أسمح لأحد بإيذائك، هيا رافقيني.
و هكذا رضخت سارة لكلامه رغم متانتها فسارت بدم بارد إلى السيارة حيث ركبت في الكرسي الأمامي، و رحلوا بها بعيدا.
أما في الساحة، فقد عادت نجلاء في الوقت المتفق عليه و لكنها لم تجد سارة، فظنت أنها قد سئمت انتظارها و رحلت. فغادرت نجلاء المكان بدورها قاصدة منزلها.
المشهد السادس
و بينما كان أشرف خارجا من مخفر الشرطة بعدما مكث هناك بضع أيام، صادفته نرجس التي كانت تقود سيارتها بالجوار ، و كانت تبدوا مشغولة بالبحث عن شيء. ولكن بجرد ان رفعت رأسها لمحت أشرف أمامها و هو يمشي، فنزلت من سيارتها، ومشت بهطوات متسارعة وراء أشرف و هي تقول
نرجس: انتظر أيها المهيب !
يواصل أشرف سيره من دون أن ينظر إلى الخلف. ثم تناديه نرجس.
نرجس: انتظرني يا أشرف !
يتوقف أشرف قليلا عن المشي
أشرف: من هذا الذي يناديني من ورائي ؟
و بسرعة خاطفة انتقلت نرجس بجواره مبتسمة .
ينظر أشرف إلى وجهها المبتسم
أشرف: ما معنى هاته الابتسامة ؟
نرجس: الابتسامة كلمة معروفة و من غير حروف. لقد جئت لأعتذر منك.
أشرف: و هل هذا هو أسلوبك في الاعتذار ؟
نرجس: ألم يعجبك؟
أشرف : بلى، و الان بعد أن سامحتك، هل تسمحين لي بالمضي وحيدا إلى منزلي، فأنا لا أرغب في الحديث مع أي أحد و مهما كان.
نرجس: مع الأسف، لن أسمح بذلك. حتى تعبر لي أنك حقا لست غاضبا مني فقد سببت في سجنك ليومين.
توقف أشرف عن المشي و نظر إلى نرجس التي توقفت هي أيضا تنظر إلى وجه أشرف المكتئب
أشرف: صدقيني يا سيدتي ، أنا لا أخفي أي ضغينة تجاهك.
نرجس: جيد، إذن لماذا تحاول التخلص مني ؟
أشرف: لست على ما يرام، ولهذا فإني لا أطيق الحديث مع أي أحد كما أخبرتك قبل قليل.
نرجس: فليكن ما تريد. سأرحل الان و أتمنى أن تغدوا بحالة جيدة.
أشرف: أعتذر عن وقاحتي.
نرجس: أنا أقدر مشاعرك يا صديقي.
أشرف: ذكريني باسمك.
نرجس: اسمي نرجس.
أشرف: اسم جميل، أعتقد أنه علي المكوث معك لبضع لحظات، ترى هل ستقبلين ذلك أم لا ؟
نرجس: يا نشال القلوب، سأقبل دعوتك بشرط أن تغير مزاجك، لأني لا أحب التعساء.
أشرف: و لكن أين سنذهب ؟
نرجس: إذا لم تعلم أين تذهب , فكل الطرق تفي بالغرض
أشرف: حقا ؟ إذن فلنذهب من هذا الاتجاه .
يشير إلى طريق مؤدي إلى قاعة سينما دولافي .
نرجس: و هل يبدوا خيارا مرفوضا ؟ هيا بنا .
و بالفعل فقد سلكوا هذا الطريق قاصدين السينما، وأثناء سيرهم يتحدثون.
نرجس: هل تم إطلاق سراح ذلك الشاب الذي كنت تتخاصم معه في المستشفى ؟
أشرف: تقصدين حسن ؟ نعم تم إطلاق سراحنا في ان واحد.
نرجس: هلا تخبرني بعمرك ؟
أشرف: سأتم عقدي الثالث قريبا. و أنت كم عمرك ؟
نرجس: لن أخبرك .
أشرف: حسنا .
نرجس: هل أنت متزوج ؟
أشرف: لن أخبرك
نرجس: لماذا؟
أشرف: هكذا تسير الحياة .
نرجس: تبدوا أصغر من سنك.
أشرف: يظل الرجل طفلاً , حتى تموت أمه , فإذا ماتت ، شاخ فجأة
نرجس: أستنتج من عبارتك هاته أنك مازلت تتمتع بحنان الأم، فهل تعتبر هذا كافي ؟
أشرف: أنت تطرحين سؤال بطريقة غير مباشرة، تريدين سؤالي عن ما إذا كنت متزوجا أم لا ، أنا لازلت عازبا، و لا أفكر في ذلك، لأن أمي تكفيني بحنانها.
نرجس: أنت بعمر أبي و تتحدث عن حنان أمك ! أظن أن لا خير في يمنى بدون يسار .
أشرف: كما أظن أن لا خير في يمنى و يسار معا يسببان اللثغة .
نرجس: هل تكره النساء ؟
أشرف: أبدا، فالمرأة هي نصف المجتمع وهي التي تلد و تربي النصف الآخر
نرجس: هل سمعت ؟
أشرف: ماذا ؟
نرجس: الهاتف يرن !
أشرف: و لماذا تنظرين إلي !... أجيبي عن الاتصال .
نرجس: حسنا...
ضغطت نرجس على الزر الأخضر ، ثم تتفاجأ بصوت غليظ
المتصل : صديقتك سارة معنا ، هل اشتقت إليها ؟
نرجس (مترددة وخائفة جدا ): من أنتم ؟
المتصل) و هو يكلم رفاقه ضاحكا ( : أعتقد أننا ننتمي إلى فصيلة البشر !
نرجس: أرجوكم، أخبروني من أنتم و ماذا تفعلون بسارة ؟
المتصل: هي في أمان كبير عندنا ، قد لا يستمر إن رفضتم التعامل معنا.
نرجس: ماذا تريدون مني أن أفعل ، هيا أخبروني
يستمع أشرف إلى كلام نرجس مستغربا و مندهشا و ينتابه قلق من العبارات التي يسمعها .
المتصل : هل تريدين أن تسمعي صوت صديقتك العزيزة ؟ إذن تمالكي نفسك .
ينادي سارة بلطف مزيف.
سارة : نرجس !
نرجس: اه يا صديقتي ! كيف حالك؟
سارة: وكيف تظنين أن يكون الحال إذ أنا في الجحيم بين الشياطين ؟
نرجس: لا تقلقي يا عزيزتي، سأضحي بكل ما أملك لأخرجك من هناك فليس من الصعب أن تضحي من أجل صديق .. و لكن من الصعب أن تجد الصديق الذي يستحق التضحية، و أنت تستحقين حياتي كلها .
سارة: لا تهتمي بحالي يا نرجس، فالجزع عند المصيبة مصيبة أخرى
يصرخ بها شاب من بين الشبان الأربعة المنتمين لعصابة نينجا الشمال طالبا منها الكف عن الكلام، ثم يسلب منها الهاتف بعنف، ليتولى الحديث مع نرجس
المتصل : سأمهلك أسبوع كامل لإحضار الملف بوثائقه كاملة ، وإلا فإن اليوم الثامن سيكون موعدا لحفل شواء لذيذ على شرف مقتل سارة المسكينة ! * يضحك بصوت عالي*
نرجس: لا .. لا .. لا أرجوك لا تقل ذلك
و فجأة انقطع الاتصال، فانهارت نرجس على ركبتيها تبكي فانفطر قلب أشرف و هو يراها على تلك الحال .
أشرف : مع من كنت تتكلمين ؟
نرجس: مع الوحوش الأوغاد العديمو الانسانية !.
أشرف: أعتقد أن الأمر طارئ يا نرجس، ولذا أعرض عنك مساعدتي، أعدك أني سأبقى بجانبك إلى أن تعود المياه إلى مجاريها.
سمعت نرجس هاته الكلمات ، فمسحت دموعها التي لامست نجد خديها ، و نظرت مبتسمة نحو أشرف و كأنها تشكره
أصدق الحزن .. ابتسامة في عيون دامعة أشرف :
نرجس: هل تعلم أنها صديقتي التي أفضل أن أموت قبل أن تموت هي .
أشرف: أنت تحبينها بجنون ، ماسم صديقتك هاته ؟
نرجس: اسمها سارة ، إنها فتاة طيبة جدا وخلوقة جدا (بدأت تبكي )
أشرف : كفي عن البكاء يا نرجس ، كل شيء سيكون بخير ، الله في عوننا.
( أخذت تبكي مجددا و بنبرة حادة ، انهمرت الدموع من عينيها ) نرجس : المسكينة .. إنها في ورطة
أشرف: ماذا طلبوا منك ؟
نرجس: لقد تحدثوا عن ملف أحمر ووثائق .
تفاجأ أشرف لذكر الملف الأحمر و انتفض ، ثم استغرب ، ليتردد قبل أن يسألها
أشرف : و ما علاقتك أنت بالملف الأحمر ؟
تعتعت نرجس في كلامها ، بعدما أحست أنها في ورطة أخرى.
نرجس: أنا ..؟ الملف الأحمر..؟ نعم .. كان بحوزتي ملف ذو لون أحمر سلمني إياه أحد زملائي في العمل وأمرني بإخفائه داخل منزلي من دون إخبار أي أحد، و قد فعلت ذلك، و ها أنذا في مأزق..
اضطرب أشرف و امتلكته رغبة في الانتقام، عض على شفتيه. نرجس تعلم أن أشرف هو مالك ذلك الملف الذي نسيه قي المستشفى ذات يوم، ولتحاول جعل نفسها خارج دائرة الاتهام .
نرجس: لماذا اضطربت و اندهشت و استغربت لذكر الملف ؟
أشرف: كل ما في الأمر أنه ذكرني بملف يحمل نفس اللون، فقدته ذات يوم وأنا بالمستشفى المركزي ... مهلا ...
نرجس: ما بك؟
أشرف: أكاد أتذكر ...
نرجس: تتذكر ماذا ؟
أشرف: الان تذكرت... اخر مكان أتذكر أني شاهدت ملفي هو بالغرفة حيث كنت أنا و حسن وأنت ، حين دعوت الشرطة فقادونا إلى سيارة الشرطة ... أنا جد متأكد أن هناك بالتحديد في تلك الغرفة فقدت ملفي. صدقا .. ألم تري أي ملف أحمر حين غادرنا الغرفة ؟
نرجس: هكذا إذن ؟ تحسبني كاذبة ؟ دعني و شأني الان ، لست في حاجة لصداقة مثل هاته.
أشرف: أعذري وقاحتي ، إن تأثير فقدان هذا الملف على عقلي لشديد، إنه ملف مهم جدا ، فكم من الصعب أن يفقد المرء شيئا مهما بهاته الطريقة .
نرجس: اعلم يا أشرف أن طعنة العدو تدمي الجسد و طعنة الصديق تدمي القلب
أشرف: أعتذر لك مجددا يا نرجس، لم أقصد هذا . يريدون الملف الأحمر فقط ؟
نرجس: لا، يريدون إزعاجنا أيضا .
أشرف: سأذيقهم الويل .
نرجس: لا تتحدى إنسانا ليس لديه ما يخسره
أشرف: انا أيضا ليس لدي ما أخسره
نرجس: طبعا ، فليس لك أصدقاء ولا صديقات لتخسرهم.
ارتعدت أطراف أشرف لسماعه هذه العبارة، و أطال نظره إلى نرجس التي كانت تبحث في هاتفها عن رقم هاتف خالتها، و بعد تردد كبير.
أشرف: بل لدي صديقات .
طأطأت نرجس رأسها ، وشهقت بعد ابتسامتها شهيقا انتضفت له العصافير التي كانت بالجوار.
نرجس: جميل جدا أن تكون لديك صديقات.
أشرف:أنت من اخترت أن أبني معها علاقة صداقة لأول مرة في حياتي..فلا تعجبي..لدينا مشكلتان مترابطتان تشعبيا ، و سنعمل على حلهما معا.
نرجس: أنت أردت هاته العلاقة لغرض شخصي .
أشرف: لماذا تفكرين بسلبية دائما ؟
نرجس: أنا لا أقول إلا ما أرى.
أشرف: هكذا إذن يا نرجس ، تعتقدين أني أريد أن أستغل مساعدتك تحت ذريعة الصداقة . إن كنت تفكرين هكذا فاعلمي أن عليك تفكير بطريقة أخرى كي تكوني أفضل في حياتك.
نرجس: أريد منك جوابا صادقا يا أشرف. مالدافع الذي جعلك تطلب صداقتي ؟
أشرف: شعرت بنشوة الامتلاك حين بدأت تكلمينني و كأني صديقك منذ زمن طويل، شعرت بالنخوة حين وجدتك في حاجة لمساعدتي.
نرجس: هذا كل شيء ؟
أشرف: كل شيء .
نرجس: ماذا عساي أقول ؟ أنت غريب الأطوار، كلامك متناقض جدا، ولا أدري إن كنت حقا جديرة بمصادقتك.
أشرف: حسنا ، انسي أمر الصداقة ... مشاكل كبيرة تنتظرنا لنحلها، علينا ان ننقذ صديقتك و البحث عن الملف الأحمر . لم تخبريني بعد عن مكان الملف .
نرجس: الملف يوجد في منزلي ، وقد وضعته في مكان امن جدا، في انتظار مجيء صاحب الأمانة ليأخذ أمانته.
أشرف: لا .. لا تعطه الملف !
نرجس: لماذا ؟!!!
أشرف: عليك أن تساعديني في مأزقي لأساعدك بدوري لإنقاذ صديقتك.
نرجس: إذن أنت تريد علاقة برغماتية؟
أشرف: تماما !
نرجس: ظننت هذا .
أشرف: أرجوا أن تخبريني بمجيء ذلك الشخص قبل أن تسلميه الملف، الان أعطيني عنوان منزلك.
نرجس: حسنا، ولكن بشرط أن تفي بوعدك و تساعدني لإنقاذ سارة.
أشرف: كفاك تشرطا و أكتبي هنا عنوان منزلك .
سلم أشرف القلم لنرجس التي كتبت عنوان منزلها فما كان على أشرف سوى أنه وضع الورقة في جيبه.
أشرف: نسيت أن أسألك عن زوجة ستيفان ، هل غادرت المستشفى ؟ و كيف حالها ؟
نرجس: يؤسفني إخبارك أن حالتها الصحية متدهورة.
أشرف: يا الهي ! إذن هي لا تزال في المستشفى ؟
نرجس: بكل تأكيد .
أشرف: علي أن أزورها الان لأطمئن على حالها، هل أخبرتموها بوفاة زوجها ؟
نرجس: بالفعل .
أشرف: لا أدري كيف تلقت الصدمة ؟
نرجس: الله يعلم ما بها .
المشهد السابع
يلج أشرف إلى المستشفى باحثا عن سرير زوجة ستيفان، مسترشدا بطبيب فرنسي وجهه إلى المكان المرغوب . دخل إلى الغرفة و ألقى التحية عليها ، و هزت رأسها و كأنها لا تستطيع رد التحية، لكثرة همها و حزنها .
أشرف: هل تؤمنين بالقدر ؟
تتظر إليه قليلا ثم تنظر إلى النافذة من دون أن تتحدث.
أشرف: هل تؤمنين بالقدر أم لا ؟
تصرخ بقوة رغم أن قواها قد خارت .
زوجة ستيفان : و ما الفائدة من ذلك يا رجل؟
تراجع أشرف خطوات إلى الوراء ثم قال مهدئا أعصابها .
أِشرف: أنت غاضبة جدا يا سيدتي، و من حقك أن تلقي بغضبك علي، لأني أقدر أوضاعك، ولكن لدي نصيحة أود منك أن تسمعيها و تعيها. حسنا .
زوجة ستيفان لا تجيب، و كأنها لم تسمع كلامه . يبتسم أشرف للحظة ثم يواصل.
أشرف: أنت لا تريدين التحدث معي، أريد أن أقول لك فقط أن الحياة مليئة بالحجارة فلا تتعثر بها بل اجمعها و ابنِ بها سلمًا تصعد به نحو النجاح.
بعدما سمعت زوجة ستيفان هذه العبارة، هزت رأسها و نظرت إلى أشرف الذي وقف منتصبا أمامها .
زوجة ستيفان: لقد عملت بهاته النصيحة منذ أن كنت صغيرة و بدأت أجمع الحجارة لأبني بها ذلك السلم، و مع الأسف فقد انقض علي و كسر عظامي، و ها أنت ذا ترى .
أشرف: أنت تتحدثين بالرموز .
زوجة ستيفان: لقد عشت حياة أصعب من أن يتصورها بشري، حياة ملأى بالمشاكل، ولكني قاومت و صبرت و استمت أيما استماتة من أجل أن لا أفقد السيطرة على نفسي، و بعدما تكبدت علي أصبحت عاجزة، يحملني سقمي و يريني قبري ثم يعود بي .
أشرف: يا سيدتي يوجد دائماً من هو أشقى منك , فابتسمي ..
زوجة ستيفان: سأبتسم حين أجد نفسي و سط أهلي، سليمة معافاة. سأبتسم حين أجد مصنع زوجي مليئا بالعمال، حيث يعملون بنشاط و حيوية، لا أن أراه كما تردني الأخبار الان.
أشرف: ماذا سمعت عن المصنع ؟ هل تكلفت الدولة بحمايته أم ماذا ؟
زوجة ستيفان: كان مصنعا ! و الان أصبح مجرد بناية مهجورة .
أشرف: لا ، يجب أن يتم فتح أبواب المصنع في أقرب أجل، كي لا تسببوا مشاكل لشركات التوزيع. التي ستتخلى عن هذا المعمل إن طال قفله.
زوجة ستيفان: و هل تراني قادرة على فعل شيء يا بني ؟
أشرف: في الحقيقة ، يجب أن تفكري في الأمر بجدية، لأنه ليس بشيء هين .
ألقت زوجة ستيفان نظرة شعواء على البيت حتى كادت تفقؤ عيناها. ثم..
زوجة ستيفان: هل تعلمت شيءا من زوجي في ما يتعلق بأساليب إدارة المصنع؟
أشرف: ليس كل شيء .
أفت زوجة ستيفان و قالت بنبرة حادة.
زوجة ستيفان: هل أنت أصم ؟ أنا سألتك عن ما إذا كنت تعرف جزءا من أساليب إدارة المصنع !
أشرف: وأنا أجبتك وقلت ليس كل شيء !
زوجة ستيفان: أنتم لا تجيدون فن الإجابة عن الأسئلة بدقة .
أشرف: سأكون ممتنا لك لو سمحت لي بالخروج، فقد اطمأنت على حالك و هذا مقصدي من زيارتي.
: أنت سريع الغضب يا أشرف، دعني أعرض عليك عرضا لم تحلم به من قبل و أتمنى أن لا ترمي به على وجهي (مبتسمة) زوجة ستيفان
أشرف : أنا سيدتي المحترمة ، لم يربيني أبي على ضرب الناس على وجوههم بالعروض .
زوجة ستيفان: حسنا، ما قلت شيئا
صمتت و بدأت تنظر إلى كوة الغرفة ، بينما ينتظر أشرف إخباره بالعرض، و لكن طال صمتها ! استغرب أشرف، ثم ..
أشرف: ما بك يا سيدتي، هل أصبحت خارج التغطية أم ماذا ؟
بدا وجهها محمرا ، ثم بدأت تتصادم جفنتيها كلما ما رغبت في مسح مؤقها الذي ما فتئ أن سال على خديها، بينما أشرف لازم الصمت، لتنفجر بكاءا بصوت عالي تنادي باسم زوجها، أصبحت حالتها هستيرية في لحظة ظن فيها أشرف أنها قد اندمجت في حياتها الجديدة، الحياة اللاستيفانية.
أشرف: توقفي أرجوك يا سيدتي، فبكائك لن يعيد لك زوجك !
تمسح دموعها بمنديل ورقي
زوجة ستيفان: إني أتذكره باستمرار، لقد كان إنسانا طيبا و زوجا صالحا ظننت للتو أننا بدأنا علاقتنا الزوجية رغم أننا بلغنا من الكبر عتيا، و ها أنذا وحيدة في هذا العالم . لقد عشنا لحظات جميلة رغم أنها تخللتها بعض المشاكل ، فليته يعود ذلك الماضي الجميل.
أشرف: نحن نحب الماضي لأنه ذهب . ولو عاد لكرهناه !
زوجة ستيفان: لكرهناه ؟ لكرهناه !
ثم يلزم المكان صمت موحش، أشرف متشوق جدا للتعرف على ذلك العرض الخيالي الذي تكلمت عنه زوجة ستيفان قبل قليل، ولكن هاته الأخيرة تبدو و كأنها نسيت ذلك بتاتا، تشجع أشرف، ثم ..
أشرف: تحدثت قبل لحظات عن العروض و ما شابه ..
شمرت عن ساقيها و تظرت إلى أشرف الذي كاد يمتطي حصان الهواء ليهرب بعيدا .
أشرف: لقد أفزعتني ، هل تريدين ضربي ؟
ضحكت زوجة ستيفان هنيهة ثم نادت أشرف ليقترب منها، و تشرح له الأمر، زوجة ستيفان يقارب سنها الستين لهذا هي عاجزة عن الوقوف ، والأكثر منذ لك أنها مريضة .
زوجة ستيفان: أنت ستكون مدير مصنع نيوشيرت .
أشرف: ماذا !!؟
زوجة ستيفان: ما سمعت .
أشرف: تقصدين أنا بالذات !؟
زوجة ستيفان: لا ، أنا أتحدث مع الوسادة .
يضحك أشرف ثم يتساءل مستغربا بينما يكاد يطير فرحا .
أشرف: لا أصدق أنني سمعت ذلك .
زوجة ستيفان: إذن حين ستصدق ذلك، عد إلي هنا لأعطيك المفاتيح و الوثائق اللازمة.
أشرف: لا أعرف بأي طريقة سأشكرك يا سيدتي العزيزة .
زوجة ستيفان: الان اصحبت تنادي بالعزيزة.
ضحك أشرف الذي لم تفارقه الابتسامة منذ أن اختارته مديرا للمصنع .
أشرف: يشرفني أن أعوض مكان زوجك العزيز .
زوجة ستيفان: أنت أيضا تسدي إلى هاته المريضة العجوزة خدمة جليلة، فقد اطمأن قلبي الان بخصوص تسيير المصنع .
أشرف: يسعدني ذلك.
زوجة ستيفان: ولكن اعمل على أن يحبك الناس عندما تغادر منصبك , كما يحبونك عندما تتسلمه
أشرف: بكل تأكيد
المشهد الثامن
هاد قد حان الموعد الذي ينتظره السجناء و أحبابهم للالقتاء معا لبضع لحظات، ها قد اندفع النزلاء نحو تلك القاعة المسيجة ليروا أهلهم و أصدقائهم، تعدد المشاعر و ردود الفعل المثيرة للأحاسيس. جورج ذلك البرتغالي الذي كان عملا في مصنع نيوشيرت ، و الذي زج به في السجن لقتله ستيفان مدير المصنع ، جورج المحكوم عليه بالمؤبد انفرد بمكان مناسب منتظرا مجيء أحد من أصدقائه، وبالفعل فقد أتى صديقه التركي خاهان و سرعان ما لمح جورج فابتسم و اتجه إليه.
خاهان: مرحبا بك يا جورج .
جورج: مرحبا بك يا رجل
خاهان: ما بك تبدوا مترهلا؟
جورج: و هل تصورت أنت تجد الميت الحي مكتنزا ؟
خاهان: هل أتى أحد لزيارتك من قبل ؟
جورج: هاته المرة الأولى التي ينظم هذا اللقاء منذ مجيئي إلى هنا.
خاهان: أخبرني كيف حالك؟
جورج: أنصحك يا صديقي أن لا تسأل السجين عن حاله كيفما كان، لأنه سيعتبر هذا من قبيل السخرية و غير ذلك. اسمع يا خاهان !
خاهان: ماذا ؟
جورج: هل تعلم سبب سجني أم لا ؟
خاهان: أعرف ، بل فرنسا كلها تعرف !
جورج(ضاحكا): أصبحت شهيرا إذن .
خاهان: بل أصبحت حقيرا جدا .
جورج: و كيف حال المعمل ؟
خاهان: معمل نيوشيرت ، هو ؟
جورج: نعم .
خاهان: سمعت أنه قد أغلق منذ وفاته.
جورج: ألم تسمع أيضا عن إعادة فتحه قريبا ؟
خاهان: لا ، أنا لا أهتم بذلك بتاتا .
جورج: حسنا .
خاهان: أراك تتهافت على سماع أخبار المصنع!
جورج: متى اخر مرة رأيت فيها ذلك الوغد !
خاهان: من منهم ؟
جورج: ذلك الذي كان يعمل معي في الورشة داخل المصنع .
خاهان: تقصد حسن ؟
جورج: لا أتحدث عن أشرف .
خاهان: ما به ؟
جورج: سألتك متى اخر مرة رأيت وجهه ..
خاهان: قبل عشر دقائق .
جورج متعجبا : أين شاهدته ؟ و ماذا كان يفعل ؟ و هل كلمته ؟ و هل يبدوا سعيدا ؟
استغرب خاهان من تراكم أسئلة جورج، ابتسم قليلا ثم قال.
خاهان: شاهدته على الصفحة الثالثة من صحيفة قديمة احتفظت بها و قد بدا في الصور حزينا جدا و لا أدري ماذا كان يفعل لأن الصورة لا تريد أن تتحرك، و لم أتمكن من التحدث معه أيضا لأنه لا يسمعني .
جورج : هكذا إذن ! ماذا لو أردت سؤالك مجددا ؟
خاهان : لن يكون هناك مانع .
جورج: هل سطرت أهدافا في حياتك لتحققها ؟
خاهان: بالطبع .
جورج: هل حققت جزءا منها ؟
خاهان: نسبة ضئيلة جدا منها، ولا زال المشوار أمامي لأحققها .
جورج: في نظرك، هل يمكن للساجن أن يضع أمامه أهدافا ليحققها؟
خاهان: ممكن.
جورج: حتى الفاقدين منهم لفرصة العودة إلى الحياة ؟
خاهان: تقصد الموتى ..؟ أم ماذا !؟
جورج: لا أنا أتحدث عن المحكوم عليهم بالسجن المؤبد
خاهان: ما بهم ؟
جورج: هل من حقهم أن يحلموا ؟
خاهان: و هل لديكم هنا قوانين جديدة تمنه الحلم أيضا ؟
جورج: غبي !! قلت لك هل يبدوا في نظرك أن النزلاء المحكوم عليهم بالاعدام بإمكانهم تحديد أهدافه للوصول إليها ؟
خاهان: لا أظن ذلك .
جورج: لماذا !!؟
خاهان: لأنهم لن يجدوا الفرصة لتحقيقها، فالسجن هو اخر مكان سيتمكنون من رؤيته قبل أن يودعوا هذا العالم .
يضيف ساخرا
خاهان: لماذا تطلب رأيي في هاته المواضيع التافهة؟ هل ترغب في تسطير أهداف مستقبلية لك ؟
يبتسم جورج .
جورج: بل حدتت هدفي منذ أول يوم لي في زنزانتي .
ينظر إليه خاهان مستغربا
خاهان: ترى ما شكل هذا الهدف الذي حددته منذ أول يوم لك في زنزانتك!؟
جورج: تريد أن تعرف شكله إذن ؟
خاهان: نعم
ضحك جورج قليلا ثم اختلس نظرة من حوله ، ثم أعاد ناظريه إلى خاهان
جورج: لماذا جئت إلى هنا ؟
خاهان: ما هذا السؤال ؟
جورج: حسنا سأعيد صياغته بشكل اخر .
خاهان: لنرى .
جورج: أنت هنا .
خاهان: أعرف ذلك
جورج: لماذا أنت هنا ؟
خاهان: كي أزورك و أطمئن عليك
جورج: لا ، مالدافع الذي جعلك تأتي إلي لتزورني ؟
خاهان: حدثت جملة جميلة، وهي أن سعر البنزين انخفض تزامنا مع إعلان هذا اللقاء الدوري للسجناء مع الأهل .
ضحك جورج ضحكة هزت أرجاء المكان .
جورج: لقد أضحكتني يا صديقي، سألتك عن السبب الذي دفع بك لزيارتي ، فكان عليك أن تجيبني بكونك صديقي أليس كذلك؟ يعني لو لم أكن صديقك لما كنت هنا.
خاهان: بالتأكيد أنا صديقك.
جورج: هلا تسدي لي خدمة بسيطة ؟
خاهان: أ لا وهي ..
جورج: أن تحقق ذلك الهدف الوحيد
خاهان: ماذا ؟!!
جورج: الأمر بسيط جدا يا صديقي !
خاهان: ما أكثر تلك الأمور التي يبسط تبسيطها و يصعب تنشيظها !
جورج: لا تخف يا رفيقي، ستنال حصتك، لن تقوم بأي شيء مجاني.
خاهان: هل الأمر يتعلق بـ...
جورج: لا .. أعرف ماذا تقصد ..لا..لا.. ليس القتل .
خاهان: و ماذا إذن ؟
جورج: سأكلفك بمهمة صعبة نسبيا و خطيرة...
خاهان: هل أنت مجنون! أم حسبتني مجنونا !؟ هل تريد مني أن أصبح أنيسك في السجن ؟ لا تحلم بهذا أبدا فلست معتوها مثلك
هم خاهان بالرحيل و لكن يترجاه جورج ضاحكا ، ثم يصرخ جورج بصوت عالي داخل القاعة ملفتا انتباه الاخرين قائلا .
جورج: سيكون الأمر مربحا جدا !
نظر الجميع إليهم و لكن الحرس لم يتمكنوا من فهم اللغة التركية التي كانوا يتحدثون بها، فعاد خاهان إلى جورج بعدما أغرته كلمة الأرباح.
جورج: اسمع جيدا يا صديقي خاهان، لا تكن عنيدا، فإن نجحت مهمتك هاته ستجلب مالا وفيرا لنفسك، ولا تخف من متابعات الشرطة لأنها لن تعثر عليك إذا ما طبقت خطتي حرفيا .
خاهان: تحدث بسرعة فوقت اللقاء يكاد ينتهي.
جورج: مهمتك هي إحراق مصنع نيوشيرت.
خاهان: تقول ذلك وكأن الأمر مجرد لعبة !
جورج: خاهان ! أرجوك ..!
خاهان: أملي علي الخطة بسرعة .
جورج: حسنا، انتبه جيدا للخطة،ولكن عليك تنفيذها قبل نهاية هذا الأسبوع، عملية إشعال الحريق ستتم في منتصف الليل، لا تستعملوا سيارات لتنقلكم إلى المكان و لا دراجات أيضا، و القناع أيضا، لا تنسى أن تضع قناعا على وجهك و ذلك تحسبا لأي هجوم من الشرطة، للمصنع أربع منافذ كبيرة، النافذة المتواجدة على الجدار الأيمن يعني الشمالي هي سبيلك الوحيد لاختراق المصنع، لا تقم بلمس أي شيء يبدوا أوتوماتيكيا و لا تلمس أيضا الالات الضخمة، خذ معك مصباحا متوسط الإضاءة، و أكيد أن الأمور ستكون على ما يرام.
خاهان: أنا من سيفعل هذا ؟
جورج: ما بك يا رجل؟ في صغرك كنت تفعل ما هو أفظع من هذا والان ترتعد خوفا و أنت رجل !
خاهان: حسن ، ما قدر المكافأة ؟
جورج: عشرون ألف يورو .
تعجب خاهان و سال اللعاب من فمه
خاهان: أعد ما قلت ..
جورج: ألم أخبرك أن الأمر سيكون مربحا جدا ؟!
خاهان: بلى !
جورج: اتفقنا إذن ؟
خاهان: حسنا ، ولكن أين وجدت كل هذا المال ؟
جورج: سؤال غبي .
خاهان: حسنا .. لماذا تسخر كل هذا المبلغ من أجل هدف شرير لا تنتفع به ؟
جورج: اخرس !
خاهان: حسنا يا سيدي .
جورج: لم تخبرني ، هل ستدعوا رجالا اخرين ليساعدوك في المهمة ؟
خاهان: لا أدري .
جورج: أنا لن أمنعك من ذلك ، ولكن كن متأكاد أن الأمر سيصبح اسوأ إن رافقك رجال اخرون لتنفيذ المهمة ، أنا لن أخسر شيءا لأنني أصلا محكوم علي بالمؤبد .
خاهان: مهلا يا جورج ! أنت في السجن . إذن كيف سأتمكن من تسلم المكافأة ؟
جورج: الأمر سهل جدا، أنت فقط نفذ العملية و سأهتم بالباقي .
خاهان: أ لن تقدم أي عربون ؟
جورج: أنا لا أعمل بالتسبيقات يا صديقي .
خاهان: هكذا إذن ؟
جورج: إن لم ترغب في تنفيذ العملية سأكلف أحد اخر !
خاهان: ليس بهاته البساطة، فأنا لن أدع الخطة تنجح .
جورج: كيف ؟
خاهان: سأشي بك عند الشرطة
يضحك خاهان
جورج: لا...لا داعي .. حسنا لنعمل بالتي هي أحسن .
خاهان: أنا اسف يا رفيقي العزيز، لن أحرق المعمل .
جورج: لماذا ؟ ما الذي غير رأيك ؟
خاهان: أنت لا تقدم عربونات و تريد مني أن أثق بك ؟
جورج: هل هذه يا نتيجة صداقة دامت عشرين سنة ؟!
خاهان: ثلاثين ألف يورو و سأحقق حلمك و هدفك الوحيد !
جورج: أنت تفكر في المال ؟!!!
خاهان: و ماذا ظننت ؟
جورج: تستغل وضعيتي ..
خاهان: لا ..لا أستغل وضعيتك الحرجة بل أستغل الفرص فقط.
جورج: أحرق المصنع عن اخره، وأخبرني بذلك، و استعد لأخذ مالك .
خاهان: انتظرني فقط..
خرج خاهان من القاعة الأخرى قبل أن ينتهي وقت اللقاء بدقيقة واحدة ، فيما عاد جورج إلى زنزانته ضاحكا و سعيدا .
المشهد التاسع
أسدل جورج الستار عن أزمة خانقة اسمها إغلاق المعمل ، فأعاد الحياة إليه، و عاد العاملون ليستأنفوا عملهم مستحضرين ذكرى مقتل مديرهم المحبوب ستيفان على يد المجرم جورج الذي كان زميلهم في العمل. بروح جديدة انطلقوا في العمل، في ظل إدارة محكمة لأشرف الذي أبان عن علو كعبه التسييري، فكان أن أصبح المعمل حديث الناس بتطوره السريع و رقيه ، و الذي بات ينافس المصانع الأخرى رغم حداثته، بينما أشرف يراقب العمال في ورشة واسعة .التقى بنرجس التي قصدته من أجل تذكيره بقضية سارة. بعد لمحته اتجهت إليه مبتسمة .
نرجس: تبدوا مستمتعا بوقتك يا أشرف.
أشرف: أنا قلق جدا ،لأني لا أدري إن كنت قد نجحت في إدارة هذا المصنع بشكل سليم منذ يومين .
نرجس: لا تجزع يا أشرف، أنت رجل صارم و لن تجد مشاكل في تسيير المصنع، دع العمال يحترمونك و يهابونك لكن داخل إطار .
أشرف: لقد جربت أن أكون عاملا، و لذا فإني لن أعاملهم كالعبيد لأني كما قلت سبق أن عملت هنا و أدرك ذلك الشعور الذي يحسون به ، حين ينهرهم المدير.
نرجس: هل كان المدير السابق ينهركم .؟
أشرف: نعم ، ولكن نادرا، المسكين كان مصابا بالسكري ، ولكنه غالبا ما كان يتمالك نفسه أثناء غضبه .
نرجس: كيف حالك؟
أشرف: بخير و الحمد لله ، وأنت ؟
نرجس: لست على ما يرام ، ولكن الحمد لله ، قدر كل شيء تقديرا ، ما باليد حيلة يا أشرف!
أشرف: لماذا تبدين كئيبة ؟
نرجس: لأنك لم تسألني عن حال سارة أولا !
أشرف: لا تظني أني نسيتها، فكل لحظة أعيشها تتكون صورتها على ذهني و هي عند أولئك المجرمين المتوحشين.
نرجس: هل تعلم أن الموعد لم يعد يفصلنا عنه إلا أربعة أيام ؟
أشرف: أعرف ذلك يا نرجس.
نرجس: إذن ما العمل ؟ هل فكرت في خطة ما ؟
أشرف: علينا أن نتدبر الخطة ، بحيث لن نسلمهم الملف الحقيقي أبدا .
نرجس: أنت وجدت الخطة للتو !
أشرف: لم أذكر أي خطة !
نرجس: يجب أن لا نعطيهم الملف الحقيقي، يعني سنعطيهم ملفا مزيفا يحمل نفس مواصفات الملف الأصلي بحيث يبدوا حقيقيا.
أشرف: ليس من المستبعد أن نفعل ذلك ما إن لم نجد خطة أخرى أفضل.
نرجس: و هل تعتقد أن هناك خطة أفضل من هاته ؟
أشرف: هل تظنين أنهم أغبياء إلى درجة أنهم لن يتمكنوا من التمييز بين الأصلي و المزيف ؟!
نرجس: لن يكون تزييفا بسيطا يا أشرف، ابن عمي يمتلك مهارة استثنائية في هذا الميدان ، و سأطلب المساعدة منه.
أشرف:سنرى ذلك
يسكتان لبضع ثواني
أشرف: ما رأيك أن نقوم بجولة في ورشات المصنع ؟
نرجس: بكل سرور
و بالفعل فقد أخذوا يتجولون داخل المعمل، وهم يتحدثون
أشرف: هل هاته أول مرة تزورين فيها المعمل ؟
نرجس: نعم ، هذه أول مرة أفعل ذلك، و يبدوا أنني محظوظة اليوم لأني أتجول في هذه الورشة الرائعة
أشرف: أنظر إلى ذلك العامل الذي يتثاءب !
يشير بأصبعه إلى رجل مسن، وسرعان ما يخفض أصبعه
نرجس: ما به؟
أشرف: إنه أفضل عامل رأيته على الإطلاق !
نرجس: هو عامل جيد إذن، ويتفانى في مهنته، هل الأمر ينطبق على باقي العمال ؟
أشرف: لا أدري ولكن أعتقد أنهم مهما كانوا مخلصين لعملهم فإنهم لن يصلوا درجة ذلك المسن.
نرجس: هل هو راضي عن عمله هذا ؟
أشرف: ربما ...
و هم يسيرون بين جنبات المصنع ، و يتبادلون الأحاديث، إذا برجل يقف أمامهم .
ليوناردو: عذرا أيها الحبيبين ! هل لي أن أسأل عن صاحب هذا المصنع؟
انفعل اشرف و صرخ في وجه الرجل .
أشرف: من أنت لتسأل عنه ؟
ليوناردو: لا تصرخ هكذا في وجهي !
أشرف: تدخل إلى عمق مبنى مصنعي من دون احترام و كأنك في منزل جدك، وتنتظر مني أن أصمت و لا أصرخ في وجهك!
ليوناردو: أنت إذن صاحب المصنع !
أشرف: و من تظن ؟
ليوناردو: هل تعرف من أكون أنا ؟
أشرف: أنا لا يهمني من تكون بقدر ما يهمني أن تغادر مصنعي .
نرجس: لم أعرف أن لديك هاته الشراهة للنزاع يا أشرف.
ليوناردو: دعيه يا جميلتي فالسفهاء هكذا هم دائما في كل العالم.
نرجس: لم أتحدث معك أيها الوغد !
ليوناردو: نظرت لوجهها فوجدته ملائكيا ،و و لكن سرعان ما سال من فمها خل حاذق
أشرف: أخرج من هنا بسرعة و إلا ...
ليوناردو : و إلا ماذا ؟...
ضحك ليوناردو ضحكا جامدا و هو ينظر إلى الأرض ، ثم رفع رأسه .
ليوناردو: دعني أخبرك من أكون، هل تعرف ستيفان ؟
أشرف: أجل أعرفه.
ليوناردو: و كارولين ؟
أشرف: تقصد زوجته ؟
ليوناردو: هي بالفعل .
أشرف: أجل أعرفها
تراقب نرجس باهتمام هذا الحوار .
ليوناردو: أنا ليوناردو أخ كارولين.
ابتسم اشرف ابتسامة عريضة ثم توجه إليه و هو يعانقه .
أشرف: أعتذر منك يا ريونالدو ، لم أظن أنك أخ كارولين ، أخبرني كيف حالك ؟ و كيف حال أهلك؟
ليوناردو : الحمد لله كل شيء بخير ، جعلتني غريبا في بلدي و لكن لا مشكلة أتقبل اعتذارك، و أنصحك بتحسين معاملتك مع الاخرين.
ابتسم أشرف، لكن نرجس أبدت امتعاضها من عبارة ليوناردو * جعلتني غريبا في بلدي* فحاولت أن تفسرها بكافة الطرق، و لكن تصل في الأخير إلى معنى واحد ، يقلل من شأن أشرف الذي لم يفطن لهاته العبارة، حاولت نرجس التي تغار على أشرف أن تنسى الأمر ، ولكن ما بيدها حيلة ، فقد دفعتها رغبتها الجامحة للمعرفة معنى ذلك إلى طرح السؤال.
نرجس: عذرا يا ريونالدو ، أود أن أطرح سؤالا بسيطا !
ليوناردو: اطرحي سؤالين يا جميلتي ، ولكن اسمي هو ليوناردو و ليس ريونالدو .
عبارة * جميلتي * التي يستعملها ليناردو للحديث مع نرجس يشمئز لها أشرف، و ليضع حدا لذلك ..
أشرف: أرجوا منك يا ليوناردو أنت تنادي هاته الفتاة بنرجس ، اسمها الخاص، و لا داعي لوصفها.
ضحك ليونادرو ثم قال
ليوناردو: هل هي خطيبتك ؟
نظر أشرف إلى نرجس التي تحاول إخفاء ابتسامتها . ضحك ليونادرو بصوت خفي و هو ينظر إليهم فاستدرك قائلا .
ليونادرو: حسنا ... حسنا... لا داعي للإجابة عن هذا السؤال المحرج
ثم يضحك مجددا و بصوت عال هاته المرة .
ليوناردو: اطرحي سؤالك يا نرجس .. اطرحيه .
اضطرت نرجس للاقتراب من ليونادرو ثم سألته بصوت منخفض جدا.
نرجس: أخبرني يا ليونادرو ، ماذا قصدت وراء عبارة * جعلتني غريبا في بلدي*؟
استغرب ليوناردو من هذا السؤال ، ابتسم قليلا .
ليوناردو: لم اقصد شيئا سيئا يا جميلتي ، فالغريب في بلده هو الذي يعامل بهذا السلوك الذي واجهني به خطيبك .
انتفض أشرف و هو يصرخ.
أشرف: ألم أطلب منك ان تكف عن قول * جميلتي* !؟
اختلجت نرجس من ردة فعل أشرف الذي أبان هو أيضا عن مدى غيرته عليها ، أحست و لأول مرة أنه يحبها .
نرجس: لا تهتم يا أشرف ، دعني أتمم حديثي معه من فضلك.
أشرف: حديث ؟!! حسنا ..
نرجس: لا مهلا ... أظن أنه علي الذهاب يا أشرف ، لأنني تذكرت شيئا مهما جدا .
أشرف: حسنا يا نرجس، سررت بلقائك ، لا تنسي أن تعودي غدا إلي ، كي نتحدث بخصوص سارة.
غادرت نرجس المكان متسارعة الخطى، وبقي ليوناردو وأشرف .
ليوناردو: أخبرني يا أشرف، كيف تشعر و أنت تشغل هذا المنصب ؟
أشرف: تقصد مدير المعمل ، أشعر بالمسؤولية الكبيرة الملقاة على عاتقي.
ليوناردو: ألست سعيدا لكونك مديرا بعدما كنت مجرد عامل.
أشرف: بلى .
و هو يتحدث و يطرح الأسئلة على أشرف يبدوا عاديا جدا ، ولكن في قلبه قنبلة موقوتة تكاد تنفجر، لأنه مستاء من تعيين أخته رجلا أجنبيا لإدارة مصنعه بدلا منه، لم يجد طريقة ليبعث رسالته المرمزة لأشرف، فتعامى و ما ملك حلا اخرا
ليوناردو: أشرف، أريد منك جوابا منطقيا لسؤالي.
أشرف: تريد أن تطرح سؤالا، فاطرحه.
ليوناردو:تصور أنك و أخاك وحيدين من العائلة ، أخوك يملك شركة، ذات يوم حدث أن أصيب بمرض خطير، و في ليلة وفاته، حيث كان يحتضر أمر بأن يسلم الشركة لصديق له، بدلا منك ، كيف ترى هذا الأمر ؟
أشرف: المنطق يخالف هذا، أو هذا الأمر يخالف المنطق، أردت جوابا منطقيا ، لذا فإني لم أجد أكثر من جواب واحد، و قد خططت له مسبقا.
ليوناردو: ماذا تقول يا أشرف؟ أنا لا أفهم فلسفتك . قلت لك ما رأيك في قرار أخيك في تلك الحالة ؟
أشرف: في نظري ، يحق لأخي أن يسلم تلك الشركة لذلك الشخص، إذ كنت أنا لا أستحقها.
ليوناردو: كيف .. لا تستحقها ؟
أشرف: يعني لو أنني كنت رجلا كسولا ، أشرب الخمر، أسهر الليالي، غير قادر على تحمل المسؤوليات، طائش في المعاملات، يحق لأخي أن لا يسلمني مسؤولية إدارة شركته، لأنني غير متمكن ، عكش صديقه الذي يراه قادرا على إدارة الشركة في أحسن الظروف ويستغلها بشكل أفضل، لأن أخي لا يريد للشركة أن تفنى بفنائه، لأن تواجدها في أيدي لا تعي قدر المسؤولية هو مغامرة بمستقبل الشركة.
ليوناردو: و لكن ، المقربون أولى ، فماذا لو كانت حالتك الاقتصادية مزرية ؟
أشرف: أنا منذ نعومة أظافري رفعت شعارا جميلا اسمه * بكدي و عرق جبيني سأجلب خبزي * مصرفا النظر عن حالة الأسرة ، أكانت برجوازية أو فقيرة .
ليوناردو: و لكن هذا الشعار لا ينطبق على ذلك. لأن لو سلمك أخوك قبل وفاته مهمة إدارة الشركة و الاستفادة من عائداتها سيكون أمر جميلا جدا ، و ستعيش حياة ممتعة ، بعيدا كل البعد عن الأزمات الاقتصادية المحلية.
أشرف: بالتأكيد سيكون كذلك. و لكن أتساءل لماذا هذا السؤال ؟
ليوناردو: لأن أختي فعلت ذلك.
تعجب أشرف من أسلوب حديث ليوناردو الذي تغير فجأة،
أشرف: هل تعني ما تقول يا رجل ؟!
أحس أشرف بعد تلك العبارة الي لفظها ليوناردو أنه اكتشف للتو أول عدو له . ارتبك و لم يجد كلمة يقولها أمام ليوناردو الذي عبر عن مكبوتاته بطريقته الخاصة، الذي كان يزدهي عجبا بنفسه حينما أصبح مديرا لهذا المصنع.
أشرف: أعرف الان لماذا أنت هنا .
مازال ليوناردو يحملق نحو العمال الاخرين، ويستكشف منظر المعمل الجميل و هو في مكانه ، بدت ملامحه حزينة جدا، فهو يتذكر الان أخته التي لم يعاملها معاملة الأخ للأخت، و ها هي النتيجة، أجمل معامل ستراسبورغ يفلت من بين يديه، حيث كان من المنطقي أن يدير بنفسه هذا المصنع لأنه ملك أخته العاجزة، ولكن وقاحته منعت زوجة ستيفان من فعل ذلك، استشاط ليوناردو غضبا فجأة.ثم نظر نظرة حاقدة إلى أشرف المتردد.
ليوناردو: إذن لا داعي لأن أشرح لك ذلك.
أشرف: أخبرني ، ماذا تريد مني ؟
أدار جسده إلى الوراء ، تراجع بضع أمتار ثم صرخ بأعلى صوته
ليوناردو: أقسم أني إن لم أحصل على هذا المصنع لأحرقنه كله بعماله و مديره الوسخ.
اغتاظ أشرف من صراخ ليوناردو ، و ما كان عليه إلا أن توجه بالقرب منه و يأمره بالخروج.
أشرف: أخرج من هنا بسرعة ، وإلا ناديت الشرطة !
ليوناردو: تبا لك و للشرطة ! بل أنت من سيرخرج من هنا أيها المتذاكي على أختي .
أشرف: أنت لا تسمع كلامي ، قلت لك: اخرج الان من مصنعي !
ابتسم ليوناردو ساخرا ثم اقترب من أشرف وقال.
ليوناردو: ليس بهاته السهولة يا عزيزي !
أشرف: أخرج من هنا أيها الوغد و إلا ...!
ضحك ليوناردو مجددا ضحكة هزت أرجاء المصنع بينما العمال متجمعين عليهم بعد سماعهم صراخه.
ليوناردو: و إلا ماذا ؟ تقتلني ..؟ تضربني ..!؟ اهدأ يا أشرف و دعني أخبرك سرا ما .
مازال العمال يحملقون نحو ليوناردو وأشرف الملتهبان غضبا من دون أن يحرك أحدهم ساكنا. أشرف ينظر إلى الأرض منهدا.
ليوناردو: هذا المعمل سيكون لي ، شئت أو أبيت.
يصمت قليلا ثم يضيف.
ليوناردو: هناك سر اخر ..
انتفض أشرف غاضبا و صرخ
أشرف: أخرج من هنـــــــا !
يبتسم ليوناردو و كأنه لم يأبه لصراخه.
ليوناردو: السر هو أنني لا أستسلم بسهولة، أعلم أنك غاضب الان، وأنا اسف لأني أغضبتك ! سأدعك الان ترتاح قليلا و تفكر في الأمر حين تهدأ. لأني سأعود قريبا.
استغرب أشرف ثم تساءل.
أشرف: أفكر في ماذا أيها الوغد؟
ليوناردو: فكر لتقرر ما إذا كنت ستواصل سيطرتك على هذا المصنع ، أم ستتخلى عنه . لا تنسى أن الاقتراح الأول سيجلب لك المتاعب!
أشرف: أخرج من هنا بسرعة ! هذا معمل وليس مستشفى المجانين ليتواجد فيه الحمقى أمثالك.
ليوناردو: اعتبرني مجنونا ، و اعتبرني غبيا..أو وغدا ! لا مشكلة . فقط اعلم أنني أتحول أحيانا إلى مجرم، و حين تجتمع صفتا الجنون والجرم فالعاقبة أشد. فكر في الأمر بتروي يا أشرف، لا تنسى أني سأعود قريبا لأسمع قرارك. سأغادر الان بعد إذنك طبعا !
و تحت هذا الإيقاع غادر ليوناردو المكان تاركا صمتا رهيبا في المصنع، و رجلا حائرا في أمره مشدوها. استعاذ بالله ثم أمر العمال بالالتحاق بورشات عملهم، ذهب إلى مكتبه حتى العاشرة ليلا، ثم لبس معطفه الأسود وغادر المصنع بعدما تأكد من مغادرة جميع العمال للمكان، ركب سيارته، وهو يقودها ببطئ و هو يستمع لأغنية شعبية مغربية، لم يستمتع بها كثيرا لأن ذلك الشاب أربكه و بعثر أوراقه بتهديداته، فأشرف يتأثر بسرعة بكلام الاخرين ، وخصوصا حين يتعلق الأمر بنفسه.
و فجأة رن هاتفه... ضغط على الزر الأخضر.. فإذا بصوت يملأه الذعر و التردد.
المتصل: ألو ... أنت مدير المصنع ؟
انتاب أشرف إحساس غريب لصوت المتصل.
أشرف: إن كنت تتحدث عن مدير مصنع نيوشيرت فأنا هو ... من أنت ؟ ولماذا اتصلت بي ؟
المتصل: لدي خبر سيء، و أود منك أن تتمالك نفسك وتتعامل بذكاء و روية معه.
ازدادت ضربات قلب أشرف الذي أحس بأن مشكلة أخرى ستؤرق باله.
أشرف: ماذا حدث يا رجل؟ ... أخبرني بسرعة ؟...لماذا تتحدث عن المصنع ؟
المتصل: مصنعك يحترق يا تعيس القدر، ربما بعد لحظات لن يبقى هنا ولا عنصر واحد يذكرك بمصنعك، الشرطة بالمكان و قد تحتاج إليك.
بعد سماعه هذا الكلام ، أحس أشرف بدوار و صداع شديد في رأسه، وبدا كالأحمق و هو يسوق سيارته إلى الوراء ناسيا أنه علي القيام بنصف دورة كي يسير بالاتجاه الصحيح، رمى هاتفه من النافذة، بسرعته في القيادة كاد يصدم سيارة أخرى وراءه لكن سرعان ما أدار العجلة ، ليرى دخانا كثيفا يتصاعد من مكان ما لأنه لم يكن مبتعدا كثيرا عن مصنعه، التحلق بالمكان في مدة قصيرة جدا، و لم يستطع تمالك نفسه حيث توجه إلى الشرطة يصرخ في وجههم و كأنهم هم من أحرقوا المصنع.
انتشرت الشرطة في كل مكان، و طاقم الإطفاء يقوم بعمله ، بعد لحظات أعلنت الشرطة عن إلقاء القبض على أحد المتسببين في الحريق،أجواء مشحونة تعيشها مدينة ستراسبورغ بعد اشتعال النار و ارتفاع ألسنة اللهب التي أرعبت السكان، وأدخلت الرعب في قلوب الأطفال.
لا يمكن تصور حال أشرف و هو يرى مصنعه بكبريائه يشتعل مثل عود ثقاب. و بعد ساعتين تمكن رجال الإطفاء من إخماد النار بفضل كفاءتهم، ولكن كفائتهم لا تستطيع إخماد النار المشتعلة في قلب أشرف المتحسر. و ساد الظلام من جديد، إنه أسوأ أيام أشرف، وبينما كان ينظر إلى جدران مصنعه الذي تحول إلى كومة، إذا بنرجس تنزل من سيارتها متجهة نحو أشرف، و هي تشاهد ذلك المنظر المريع للمصنع.
نرجس: أشرف !
يلتفت أشرف فجأة إلى الوراء بعدما سمع صوت نرجس، من دون أن يسمع قبل ذلك صوت سيارتها.
أشرف: نرجس !
نظرت نرجس لحظة إلى وجه أشرف ثم أجهشت بالبكاء. اقترب منها أشرف ثم مسح دموعها بيديه، أمام أنظار بعض الناس المتجمعين قرب المصنع.
أشرف:لماذا تبكين يا نرجس !؟؟
نظرت نرجس مرة أخرى إلى عيون أشرف المترقرقة ثم بدأت تبكي مجددا، تأثر أشرف كثيرا بحالة نرجس .
أشرف: أتعلمين يا نرجس ؟ إن هذا المصنع كله ، بل مصانع ستراسبورغ لا تساوي دمعة واحدة من عينيك .
نرجس: إني أبكي لحظك التعيس ، أتذكر يوم جئتني سعيدا منتشيا ، تخبرني بحصولك على هذا المنصب الغير المتوقع، و بدأت تملي علي مشاريعك المستقبلية بخصوص المصنع. والان ...؟
تقول هذا و هي لا تكف عن النحيب، ضحك أشرف ثم وضع يده على كتف نرجس .
أشرف: لقد جعلتني أحس بشعور لم أحس به من قبل ، شعور استثنائي ، شعور غريب و جميل جدا.
رفعت نرجس راسها فجأة ثم نظرت إلى أشرف متعجبة .
نرجس: أنا جعلتك كذلك! كيف ، أقصد ماذا ؟
أشرف: إني أحسست و لأول مرة أن هناك شخصي يحبني حقا .
ازداد استغراب نرجس من كلام أشرف، و انتابها إحساس جميل جدا حين علمت أن رسالتها قد وصلت. خجلت نرجس ثم بدت و كأنها تريد تغيير المشهد.
نرجس: هل تريد أن تصطحبني في سيارتي لأوصلك إلى منزلك؟
أشرف: لا داعي يا نرجس، أفضل أن أبقى هنا قليلا أمام مصنعي الحبيب، لا أعرف لماذا أريد ذلك ، ولكن سأبقى هنا بعض الوقت.
نرجس: أظن أنك نسيت أمرا ما .
أشرف: لا لم أنسى ذلك ، أعرف ماذا تريدين قوله.
نرجس: إذا فالموعد غدا ، ونحن لم نعد شيءا بعد، إنه أمر جدي !
أشرف: كوني متيقنة أن سارة ستكون سليمة و لن يمسها أي مكروه، فقط عليك أن تنسقي بيننا، أقصد بيني و بين ابن عمك ، محترف التزوير!
نرجس: تتحدث يا أشرف و كأنك لا تعرف أن غدا سيتحدد مصير سارة!
أشرف: لا يا نرجس ، أنا أهتم لذلك الأمر كثيرا.
نرجس: إذن علينا أن نبدأ الان خطتنا.
أشرف: الان بالضبط ؟!
نرجس: أرجوك يا أشرف!
أشرف: حسنا ، و لكن ماذا يجدر بنا أن نفعله الان ؟
نرجس: سأتصل بابن عمي ، و أخبره أننا قادمين إليه.
أشرف: متى ؟
نرجس: الان يا أشرف ! ما بك ؟ أنت تتماطل كثيرا يا أخي ! إن كنت لا تريد مساعدتي فلا بأس بذلك، لأنك أنت أيضا تحت الصدمة.
أشرف: لا ..لا..لا تقولي هذا ... حسنا.
نرجس: الان سأذهب إلى منزلي لإحضار الملف ، أنت ستصطحبني بسيارتك.
أجرت نرجس اتصالها بابن عمها، الذي وافق على طلب نرجس، ثم غادرت نرجس بسيارتها متوجهة نحو منزلها لإحضار الملف. نرجس داخل منزلها تبحث عن الملف بينما أشرف ينتظر داخل سيارته و هو حزين جدا لما حل بمصنعه، لولا قوة صبره لما تمكن من السيطرة على نفسه، وأن ينهمك في حل مشاكل الاخرين. و بعد لحظات خرجت نرجس و ركبت سيارتها ، انطلقا بسرعة نجو منزل ابن عم نرجس.
المشهد العاشر
ها هم الان داخل منزل ابن عمها الشاب المسمى بنزار، هو لا يزال شابا في مقتبل العمر، كان عليه أن يشاهد مباريات كأس العالم لـ1986 و هو يتعلم الحروف الفرنسية على يد أمه، بتسريحة شعر مثيرة ، و بوجه بشوش استقبل ابنة عمته و أشرف.
نزار: مرحبا بكما يا فارسا الليل ، تفضلا !
أشرف: شكرا
نرجس: هل كنت نائما حين اتصلت بك ؟
نزار: أنا لا أنام في هذا الوقت المبكر يا نرجس.
نرجس: و هل هذا وقت مبكر ؟ و متى تنام ؟
نزار: استيقظت للتو ، إنه الصباح الان وعلي أن أذهب للعمل .
ضحكت نرجس بينما أشرف ينظر إليهما و النوم قد نال منه ما نال.
نرجس: أنت غريب الأطوار يا صاح !
نزار : ما بك يا رجل لا تتحدث ؟
نرجس: اصمت يا نرجس، فقد أحرق مصنعه للتو.
نظر نزار إلى أشرف ثم صمت قليلا .
نزار: ما اسمك؟
أشرف: اسمي أشرف ، يسعدني أن أعرف اسمك أنت أيضا .
نزار: اسمي نزار أيضا .
نرجس: و لكن لم يقل إن اسمه * نزار* يا نزار.
نزار: و هل قلت لك إن اسمه نزار.
نرجس: يا الهي ! أنت مجنون حقا !
نزار: المجانين فقط هم من لا يفهمون قول المجنون.
ضاق أشرف ذرعا بالمنحى الذي اتخذه حوار نرجس و نزار.
أشرف: نرجس ! أظن أننا هنا لغرض ما .
نرجس: طبعا يا اشرف ، أعتذر عن هذا الحديث الفارغ.
نزار: حسنا ... لقد قصدتموني بصدد تزوير بعض الوثائق، أليس كذلك ؟
نرجس: بلى.
نزار: أين هي إذن ؟
نرجس: إليك إياها .
سلمت نرجس الملف الأحمر لنزار الذي استكشفه جيدا.
نزار: أي وثيقة من هاته الوثائق تريدون تغيير محتواها؟
أشرف: كلها يا نزار ! كلها .
نرجس: و لماذا يا أشرف كلها؟
أشرف: لأنه يجب أن نحتفظ بمعلومات مغايرة كليا لتلك التي سنسلمه إياه.
نرجس: و لكن علينا التركيز على الوثية المهمة جدا.
أشرف: دعني ألقي نظرة عليها من فضلك .
سلم نزار الملف كله لاشرف الذي بدأ يبحث عنه، ولكن لم يجد الوثيقة المهمة.
أشرف: أعتقد يا نرجس أنني لا أملك القدرة على التمييز بين الوثائق، ابحثي عنها و اعطني إياها. إليك الملف.
أخذت نرجس تبحث عن تلك الوثيقة ، ولكن طال بحثها ، وفجأة أدركت أن تلك الوثيقة لا توجد في الملف .
أشرف: ألم تجديها ؟
نرجس: لم أجد تلك الورقة اللعينة.
أشرف: إذا مالعمل؟
نرجس: الوقت يداهمنا، وعلينا أن نزيف هاته الوثائق على الأقل لنسلم لهم الملف الأحمر مباشرة بعد إتمام العملية .
أشرف: و ماذا بخصوص الوثيقة ؟
نرجس: قد لا يفطنون لتلك الورقة ! فلنغامر ! لا خيار لدينا .
نزار: أعتقد أن أمي نسيت أن تخبرني أن نرجس مغامرة من هذا الحجم !
أشرف: أعتقد أن أمك لم تخبرك أنك ثرثار !
أخفت نرجس ضحكها ، بينما اكتفى نزار بالصمت.
نرجس: إذن ، حان دورك يا نزار .
نزار: هل تعتقدين أنني سأفعل ذلك حقا ؟
استغرب نرجس و أشرف استغرابا شديدا .
نرجس: بالفعل يا نزار ، فأنت الوحيد الذي يستطيع مساعدتنا .
نزار: مساعدتكم ؟ هل هذا الرجل معك؟
أشرف: احترم نفسك يا نزار، لا تتحاذق معها.
ينظر نزار إلى أشرف بطرف عينيه غير ابه بما قال.
نزار: أنا اسف جدا يا نرجس! لا استطيع مساعدتك .
نرجس: ولكن لماذا ؟ فقد وافقت على ذلك أثناء محادثتنا في الهاتف.
نزار: طبعا فعلت ذلك ، ولكن أنت لم تخبريني أن هذا الشيء معك ؟
استشاط أشرف غضبا و هو ينظر إلى نزار ، اقترب منه بسرعة ليوجه له لكمة، لكن صراخ نرجس سرعان ما أثر في أشرف الذي تراجع عن ذلك وعاد خطوات إلى الأمام .
أشرف: هيا بنا يا نرجس ! لا نحتاج لمساعدة هذا الثرثار.
نرجس: أنت لا تفكر فيما تقول يا أشرف، إن الأمر غاية في الجدية ، لا يوجد شخص آخر يمكنه مساعدتنا. أنت معروف بقوة صبرك، فكن صبورا و دعنا نجتاز هاته المحن التي تثقل كاهلنا.
أشرف: فليكن هناك خيار اخر، لا أريد مساعدة من هذا الوغد.
على مسامع نزار نزلت كلمة * الوغد* كصخرة ثقيلة على قلبه، ثارت ثائرته ، واقترب من أشرف و صرخ في وجهه.
نزار:أخرج من هنا حالا ... هيا..لا أريد أن أراك هنا مجددا...هيا بسرعة...انقشع!
استقرت عينا أشرف على وجه نزار، صمت قليلا ثم غادر الغرفة، أسرعت نرجس إليه محاولة إقناعه بالعودة.
نرجس: أشرف، وجدت حلا آخر إن أنت فضلت عدم الاستعانة بنزار.
أشرف: جيدا جدا ! و ما هو هذا الحل؟
نرجس: نسلم لهم هذا الملف الحقيقي
أشرف: لا ...أبدا..!
نرجس: إذن بقي خيار واحد.
أشرف: أسلوب الذي يتعامل به ابن عمك يثير أعصابي !
نرجس: حسنا يا أشرف ، الأمر بسيط جدا . سأتكلف بالأمر ، وأنت انتظرني هنا في الخارج.
أسرعت نرجس لتدخل مجددا إلى منزل نزار الذي تركته مفتوحا. ووجدته يقرأ تلك الوثائق و هو يستند على وسادته الخضراء المفضلة.
نرجس: أنت دائما تسبب المتاعب يا نزار.
نزار: بدأت مجددا يا نرجس !؟
نرجس: حسنا .. حسنا.. الآن ستساعدني، أعرف أنك محترف في هذا المجال مجال التزوير و التزييف ، لذا فعليك أن تغير جميع المعلومات الواردة في هاته الوثائق بشكل ذكي. هيا ابدأ عملك .
نزار: و تعلمين أنني لا أعمل مجانا !
نرجس: لا تقلق سأدفع لك . كم من الوقت ستستغرق هذه العملية ؟
نزار: لا أعرف بالضبط، ولكن ربما ساعتين أو ثلاث .
ساعتين أو ثلاث ؟: *مستغربة* نرجس
نزار: و ربما أكثر.
نرجس: يا الهي ! كم هذا كثير !
نزار: شاهدي التلفاز إن شئت ! هناك فيلم جميل على القناة الجديدة سيعجبك بكل تأكيد.
نرجس*لنفسها*: و هل هناك فيلم أجمل من هذا الفيلم الذي أمثل فيه دور المجنونة؟!
توجهت نرجس إلى أشرف الذي ينتظر في الخارج داخل سيارته مستمعا لموسيقى هادئة.
أشرف: هل انتهيت ؟
نرجس: بل اسألني * هل بدأنا ؟ *
أشرف: لماذا ؟
نرجس: هل تعرف يا أشرف أنه علينا انتظار ساعتين على الأقل هنا بينما يقوم نزار بعمله.
أشرف *ستنكرا*: لا هذا غير معقول !
نرجس: مثل هاته العمليات تحتاج لوقت كثير يا أشرف.
أشرف: حسنا، لما أنت واقفة، اركبي السيارة ، ودعنا نستمع لهاته الموسيقى الحزينة لتواسينا.
نرجس: حسنا
ركبت نرجس إلى جانب أشرف في سيارته ، يستمعان لموسيقى تركية هادئة و حزينة و مرت الدقائق واحدة تلو الأخرى و شردا ، كل واحد منهم يفكر في مشاكله يتصورها ، يبحث عن حلول . فجأة نظر أشرف إلى نرجس ثم قال.
أشرف: في ماذا كنت تفكرين يا نرجس ؟
نرجس * مبتسمة * : كنت أفكر في صديقتي سارة .
أشرف: ستكون بجانبك قريبا و ستستمتعين بها .
نرجس: أتمنى ذلك . بمن كنت تفكر؟
أشرف: أنا أتأسف لحالي ، و أتصور كيف يمكن لي أن أخبر كارولين بما جرى.
نرجس: كل همه وغمه . أقول لنفسي أحيانا - لما لا أنأى بنفسي بعيدا عن المشاكل كي يستريح قلبي؟! و أنسى الهم و الشقاء.
أشرف: اسمعي يا نرجس لن تستطيعي أن تمنعي طيور الهم أن تحلق فوق رأسك و لكنك تستطيعين أن تمنعيها أن تعشش في رأسك.
نرجس: صح قولك ، أنت لم تحدثني بعد عن نفسك، و عن حياتك و طفولتك.
أشرف: هل ترين أنه يجدر بي الحديث عن ذلك ؟
نرجس: اسمع يا أشرف، أنا اعتبرتك صديقا منذ اليوم الأول الذي التقيتك فيه و أنت خارج من مخفر الشرطة.
أشرف: و كنت قبل ذلك عدوك ..
نرجس: أبدا..
أشرف: بل كذلك، وإلا فما كنت لتنادي الشرطة لتلقي القبض علي مثل المشاغبين الصغار.
نرجس: أشرف، لا تقل هذا، لقد كان واجبا علي أن أنادي الشرطة مادام هناك عراك داخل غرفة صحية في مستشفى مركزي.
أشرف: حسنا .. ماذا تريدين أن تعرفي عن حياتي ؟ اسمي ؟ اسم قطتي ؟
نرجس: لا ، أنا أتحدث بجد يا أشرف.
أشرف: اسمعي يا نرجس، ليس هناك شيء رائع في شبابي ، و لا في طفولتي، لم أستمتع بالحياة كالآخرين، و لا داعي أن أستحضر تلك الذكريات المريرة.
نرجس: لست الوحيد الذي قاسى في طفولته.
أشرف: أعرف ذلك، و لكن ...
نرجس: هاته الفتاة التي أمامك ، والتي غالبا ما ترى الابتسامة مرسومة على وجهها، فهي عانت في طفولتها كثيرا، لذا لا تعد نفسك الوحيد الذي لم يستمتع بحياة الطفولة.
أشرف: ما مشكلتك أنت ، أقصد مالشيء الذي منعك من الاستمتاع بطفولتك كالآخرين ؟
نرجس: أجبني ، لو فقد إنسان ما أعز ما لديه، هل تظن أن هناك شيئا آخر يمكن أن تعوضه به؟
أشرف: بالطبع !
نرجس: فقدت أمي و أبي و أنا في الخامسة من عمري، إذن بماذا سأعوض والداي الحبيبان؟
أشرف: لا ، لم أظن هذا ! آسف جدا يا نرجس !
نرجس: لا مشكلة يا أشرف، فقط أعطيتك مثالا عن المعاناة في الطفولة البريئة، كي لا تستمر في عد نفسك الوحيد الذي قاسى و تألم أيام طفولته.
أشرف: و من تكلف بك بعد وفاتهما؟
نرجس: وحش .
أشرف: أنت طرزان فرنسا ؟
نرجس * ضاحكة* : إن كلمة الوحش صغيرة في حق ذلك المجرم.
أشرف: أي مجرم ؟
نرجس: عمي ، الذي كنت أعيش معه، و الذي كان يعاملني معاملة الحيوانات.
أشرف: هل كان ...؟
نرجس: لا...لا...دعني أحكي لك عنه قليلا * كنت أعيش حياة جميلة جدا مع والداي في فندق، كنت أحس بأنني محبوبة جدا فقد كانوا يعاملونني و كأنني الأميرة الصغيرة، فرغم أن حالتنا الاقتصادية كان أبي يشتري لي كل شيء يجده قادرا على إسعادي به. و هكذا فإني كنت أحبهم أنا أيضا، و أمي الحنونة ، لقد كانت أجمل أم في العالم! كانت دائما تشجعني على الدراسة بشتى الطرق، حين ارتكب أخطاء كبيرة سواء داخل المنزل أو عند الأهل أو في المدرسة فإنها تنقذني دوما من العقاب المتوقع من أبي، لأنه كان يربيني بطريقته الخاصة، و هذا يعني أن ورقة العقاب الشديد واردة في هذا الصدد، هكذا عشت أيام طفولتي الأولى قبل الفاجعة، فذات يوم و أنا عائد من المدرسة، وجدت أناسا كثيرين يحيطون بالفندق الذي كنا نأوي فيه، و كنت بطولي القصير، أتسلل إلى باب الفندق مسارعة الخطى فبدا لي و أنا وسط ذلك الحشد كأني في الغابة الاستوائية وحيدة أتنقل بين أشجارها، فسيقان هؤلاء الرجال تبدو طويلة جدا،و فجأة وصلت إلى باب الفندق محاولة دخوله، فإذا بشرطي يمسكني من قميصي الوردي من الخلف، أدرت رأسي إليه، ثم صرخت قائلة - دعني أذهب إلى منزلي - حينها كنت لا أميز بين الفندق و المنزل، كنت أحسب أن ذلك الفندق كله لنا، و من يخبرني بالحقيقة وأنا صغيرة؟ حملني الشرطي و أنا أصرخ فابتسم و قال -كل شيء سيكون بخير أي صغيرتي- ففزعت فزعا شديدا، لأني ظننت أنه يريد أن يأخذني معه كما يفعل اللصوص المختصين بالفتيات الأخرى كما أخبرتني أمي ذات ليلة، بدأ الشرطي يحدثني بأسلوب لطيف جدا، استغربت من كون شرطي يتحدث بلطف مع فتاة لا تعني شيئا، رغم أن الشرطة معروفون بخشونتهم في المعاملة والكلام أيضا، فانتابني شعور غريب، و حينها فقط تساءلت في نفسي - هؤلاء الناس جميعا مجتمعون أمام باب منزلنا، و هذا الشرطي اللطيف لا يريد مني أن أدخل، و الناس ينظرون إلي و الدموع تترقرق في أعينهم و تزيدها أشعة الشمس لمعانا لتبدوا كالأشعة السينية، إذن فلابد من مكروه ما قد حل بأبي أو أمي - ألححت على الشرطي الدخول إلى الفندق، لكنه يرفض بشكل قاطع، وأنا بين يدي هذا الشرطي، لمحت جارتنا و هي قادمة إلي، سلمني الشرطي إليها فحملتني بين ذراعيها و هي تسير عكس باب الفندق، وهي تقول - لا تجزعي يا صغيرتي الجميلة، أعرف أنك قلقة جدا، كل ما في الأمر أن أباك و أمك حدث لهما مكروه و سيتم بعد لحظات نلقهم إلى المستشفى كي يعالجهم الطبيب، و ستلتقين بهم بعد أيام قليلة ، و لم تكد تنهي كلامها حتى أغمي علي من شدة الصدمة، و لا أدري كم مر حتى وجدت نفسي محاطة بمجموعة من الفتيات الصغيرات داخل منزل ملون، فشعرت بأنني في عالم آخر، حيث لا توجد أم ولا أب، بدأت أصرخ و الصراخ ضعيف - أين أمي ؟ أين أبي ؟ - كانت الدموع تنهمر من عيني كالشلال بل قليلا، ثم جاءتني امرأة مبتسمة و هي تقول - ما بك صغيرتي الجميلة ؟ أنت الآن في جنة الأطفال - كان علي أن أنتظر أياما ليخبروني أن أبي و أمي قد فارقا الحياة فعلا، و مرت الأيام و أنا داخل دار الأطفال اليتامى، وجدت نفسي مندمجة في هذا الفضاء الجميل، رغم أنني أحيانا أتذكر أبي و أمي والفندق وأحس بضيق شديد، كنا نأكل أكلات جميلة و متنوعة، نحتفل بأعياد ميلادنا معا، و هكذا اكتسبت أصدقاء و صديقات كثر، و لكن ذات يوم جائتني المربية و هي تقول - لقد جاء حبيبك عبد الله ليأخذك معه - فتسائلت مستغربة و أنا أعود إلى الوراء و كأني أستعد للهروب - أي عبد الله هذا ؟ - اقتربت مني المربية فابتعدت أسرعت ثم أسرعت أنا أيضا و بدأت أجري داخل القاعة، إلى أن أمسكت بي وأنا أبكي، جالت بي فضاءات الدار كلها إلى أن حطت بي على مكتبها، و كان العم عبد الله ينتظر ، ابتسم ابتسامة عريضة ثم حملني بعدما ودع مديرة الدار و المربية أيضا، و ما هي إلا دقائق حتى وصلنا إلى منزله، و لا داعي لأن أتمم الحديث عن تلك الذكريات المريرة
أشرف: ذكرياتك هاته لا تختلف كثيرا عن ذكريات الاخرين، أنت تتذكرين جيدا طفولتك!
نرجس: لأنها أفضل مرحلة يمكن أن يعيشها الفرد.
أشرف: في نظرك؟
نرجس: بل في نظر الجميع.
أشرف: لا أظن ذلك.
نرجس: لماذا ؟
أشرف: لأن أفضل مرحلة يمر منها الانسان هي فترة المراهقة رغم صعوبتها.
نرجس: مراهقة؟ تجاوزت هاته المرحلة و لم أفطن لذلك إلا بعدما وجدت نفسي خارج مجال حكم عمي الشيطان.
أشرف: أنصحك بعدم استحضار ذكرياتك مرارا و تكرارا ، أنصحك أيضا بالاستفادة من أخطائك السابقة، و استغلالها من أجل تحسين فالحياة مليئة بالحجارة فلا تتعثر بها بل اجمعها و ابنِ بها سلمًا تصعد به نحو النجاح.
نرجس: سألقي نظرة على نزار، ربما قد انتهى من العملية.
أشرف: حسنا.
نزلت نرجس من سيارتها،ثم توجهت مسرعة نحو المنزل ثم جلست بجانب نزار.
نرجس: أين وصلت ؟
نزار: أمهليني عشر دقائق فقط و سأتمم كل شيء .
نرجس: حسنا.. يمكنني الانتظار.
صوت الموسيقى تهز أرجاء المنزل، فنزار منذ صغره كان عاشقا لأغاني الراب و الديدجي، وقد أصبح الان مرتبطا بها بدرجة عالية، ينظر إلى الوثيقة تارة ثم يطبع ما قرأه على لوحة المفاتيح، وهكذا إلى أن أنهى العملية. فرحت نرجس لنجاح عملية التزوير ، شكرت نزار ثم سلمته مقابله المادي السخي وغادرت المنزل قادمة إلى السيارة، فتحت باب السيارة و هي تبتسم و ركبت. أخذ أشرف الملف منها ثم ألقى على الوثائق نظرة سريعة و قال .
أشرف: هل أنت واثقة من أننا سننجح ؟
نرجس: إننا بصدد مغامرة فقط يا أشرف ، ولست متأكدا من نجاح الخطة، ولكن كن متفائلا كل شيء سيكون على ما يرام بحول الله.
أشرف: فلنمض !
نرجس: هل نسلمهم الملف الآن ؟
أشرف: بكل تأكيد !
نرجس: لا أدري بأي شيء يمكنني أن أقابل به جميلك و خدمتك هاته.
أشرف: ما أقوم به الآن كان ليفعله أي إنسان مثلي
نرجس: سأتصل بهم الان لنحدد مكان الصفقة.
أشرف: افعلي كل ما ترينه ضروريا .
تناولت نرجس الهاتف بين يديها ثم بدأت تبحث عن رقمه، في قائمة الاتصالات المستقبلة، و أخيرا وجدته، ، ضغطت على الزر الأخضر ، فإذا به يجيبها بصوت متثاقل.
المتكلم: من هذا الذي يتصل بي في جوف الليل ؟
نرجس: إنها أنا، نرجس! صديقة سارة .
المتكلم: أهلا ! أهلا ! اشتقت إليك عزيزتي !
نرجس: كيف حال سارة ؟
المتكلم: إنها مشغولة جدا، تستعد لحفل الشواء المبرمج غدا . ستحضرين من دون شك !
نرجس: كيف تحتفظ بصخرة في جسمك ؟ ما ذلك القلب الصلب الذي لديك؟
المتكلم: لا أدري كيف أفعل ذلك ، و لكن أنا راضي جدا عن نفسي ، خصوصا حينما أكون أعداء أحدهم.
نرجس: هل ستطلق سراح سارة أم لا ؟
المتكلم: أعتقد أننا اتفقنا مسبقا.
نرجس: طبعا
المتكلم: إذن؟
نرجس: طلبت الملف ، و سيكون بحوزتك الان .
المتكلم: حقا ؟
نرجس: و لكن بالمقابل الذي اتفقنا عليه .
المتكلم: رغم أنك ستفوتين علينا حفلا جميلا، فإنني أقبل بذلك، سارة أيضا ستصبح حرة، ولكن بشرط أن تسلمونا الملف قبل أن نسلمكم سارة .
نرجس: هذا غير عادل ! ماذا لو احتلتم علينا ؟
المتكلم: المجرمون لهم قيمهم أيضا !
نرجس: لم أتصور يوما أن أتعاهد مع المجرمين !
المتكلم: أنت الوحيدة التي سمحت لها بمناداتي بوصف المجرم، لأنني أحترمك !
نرجس: و قد بدا ذلك جليا من خلال احتجازك لأعز صديقة لي .
المتكلم: هيا بنا نتمم العملية سريعا !
نرجس: حدد المكان .
المتكلم: حسنا ... انتظري ... ليكن ذلك أمام بوابة سينما ستراسبورغ.
نرجس: أنتظرك هنا !
انتهى الاتصال، وضعت نرجس هاتفها داخل جيبها ثم طلبت من أشرف الاتجاه إلى المكان المتفق عليه .

